CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

نص إصدار: تأملات في سورتي النور والحجرات (12)

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واالاه أما بعد.
في درسنا هذا سنتأمل في قول الله سبحانه وتعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (سورة الحجرات).
قال سيد قطب رحمه الله: “وما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل، فور وقوعه وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة”. انتهى.
وقال ابن عاشور رحمه الله: “ولما كان المتعارف بين الناس، أنه إذا نشبت مشاقة بين الأخوين، لزم بقية الإخوة، أن يتناهضوا في إزاحتها مشيًا بالصلح بينهما، فكذلك شأن المسلمين، إذا حدث شقاق بين طائفتين منهم، أن ينهض سائرهم بالسعي بالصلح بينهما، وبث السفراء إلى أن يرقعوا ما وهى ويرفعوا ما أصاب ودهى”. انتهى.
حديثنا وتأملاتنا في هذه الآية لن يتعلق بالطائفة الباغية وأحكامها. وإنما سنركز الكلام على الصلح بين المسلمين، على الصلح بين المتخاصمين من المسلمين.
الواجب عند حدوث الخلاف بين الإخوة الاصلاح المباشر قبل تفاقم الأمور وتعسر الصلح، فإن المشكلة إذا كانت في مهدها، يسهل بإذن الله تعالى الإصلاح، وعلى المصلح بين الناس، بين المسلمين، أن يكون واعيًا، ذكيًا، عالمًا بطرق الإصلاح، لا نصعب الأمر، ولا نجعله مقننًا، لا، ولكن لابد عليه أن يكون فاهمًا كيف يصلح بين الأخوين أو بين الجماعتين إذا حصل الخلاف، قال الله تعالى (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) (سورة الأنفال).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “هذا تحريج من الله على المؤمنين، أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم”، أي لا مسار للناس سوى التقوى والإصلاح.
الخلافات بين المسلمين تحصل، ولكن إذا كان هناك من أمة الإسلام من يسعى بالإصلاح دوما، وفي الجماعة الواحدة، أو في الطائفة الواحدة، أو في المجموعة التي تكون في شأن من الشؤون، يكون هناك من الناس الذين يحبون أن يصلحوا بين إخوانهم فهذا يرفع كثيرًا من الخلافات، ويجعل الجماعة المسلمة والأمة المسلمة، في ألفة وود دائم بإذن الله تعالى.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: “إذهبوا بنا نصلح بينهم”. يعني ما تأخر عليه الصلاة والسلام، مباشرة عندما علم أن هناك خلاف نشب بين فئتين أو جماعتين من المسلمين، قام مباشرة بالصلح.
“إذهبوا بنا نصلح بينهم”.
من المفترض أن تكون في هذه الأمة شعار: “إذهبوا بنا نصلح بينهم” إذا سمعنا بأي خلاف بين أخوين، خلاف بين جماعتين، خلاف في داخل الأمة المسلمة مباشرة إذهبوا بنا نصلح بينهم.
وفي ذلك فضل كبير في الإصلاح بين المسلمين، قال الله سبحانه وتعالى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجرًا عظيمًا) (سورة النساء).
كل النجوى، كل الكلام، أكثر الكلام لا خير فيه باستثناء هذه الثلاثة، إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، وذكر بين هذه الثلاثة الإصلاح بين الناس.
فمن أراد أن يكون كلامه من خير الكلام فليصلح بين إخوانه وبين الناس.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة؟” قالوا: بلى، قال: “صلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة”.
قال الترمذي، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين”.
يعني يذهب الدين بسبب فساد ذات البين.
يقلّ الإيمان وتقلّ التقوى بسبب فساد ذات البين، عندما نرى في أمة الإسلام اليوم كثرت الخلافات وكثرت المشاحنات بين المسلمين.
أما ما يحصل بين المسلمين والكافرين أو بين المسلمين والمرتدين، ممن بدلوا شرع الله وممن والوا الكفار فهذا حق لابد منه وهو من الجهاد في سبيل الله، إذا قام المسلمون بالجهاد في سبيل الله ضد هذه الفئات المعادية للإسلام والمعادية للدين، فيجب تأييده، أما ما يحصل بين المسلمين وبين الإخوة فيما بينهم فلابد من الإصلاح.
وعندما كثرت هذه المشاحنات وكثرت الأحزاب وكثرت الجماعات وأصبح كل واحد ينطلق من منطلق جماعته وحزبه ومن كان معه في هذه الجماعة أو هذا الحزب فهو الحبيب المقرب ومن كان خارج هذه الجماعة أو هذا الحزب فهو من المبعد وإذا حصل فساد بينه وبين أخيه المسلم فلا يكترث لذالك بل قد ترتفع أو قد تتوسع فوهة الخلاف بسبب هذه الأمر فهذا من الباطل وليس من الحق في شيء.
وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم “أفضل الصدقة إصلاح ذات البين”، يعني الذين يحبون أن يتصدقوا وأن يبذلوا أموالهم في سبيل الله وفي سبيل الأعمال الخيرية أفضل ما يفعلونه في باب الصدقة أن يصلحوا ذات البين. نعم.
ومع أن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قد ذموا الكذب وذموا الكذابين إلا أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص وجوز ذلك عند الاصلاح بين المسلمين فقال عليه الصلاة والسلام: “ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا”.
قال ابن شهاب: ” ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث .. وذكر منها .. الإصلاح ذات البين”.
يعني يجوز أن يأتي الإنسان فإذا أراد أن يصلح بين أخوين أو أراد أن يصلح بين جماعتين أن يذكر محاسن هذه الجماعة ويذكر وإن لم يكن حصل ذلك، أن يذكر مدح هذه الجماعة أو مدح هذا الأخ لأخيه وأنه ذكره بخير وهكذا حتى تلين القلوب ويحصل الاصلاح بكل يسر بإذن الله تعالى.
أما من يقوم بفساد ذات بين المسلمين ويحرش بينهم ويذكي نار الفرقة في أوساطهم فهذا يقوم بعمل الشيطان ويحقق رغبة الأعداء في المجتمع الإسلامي بالفرقة بينهم والتحريش بينهم وكثرة المشاكل بينهم، هذا الذي يقوم بعمل الشيطان كيف علمنا أنه يقوم بعمل الشيطان بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم”.
وأيضا هذا من فعل المنافقين عندما كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يحاولون أن يفسدوا ذات بين المسلمين يقول الله تعالى (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردن إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون) (سورة التوبة).
فمن مقاصد المنافقين في بناء المسجد الضرار ومن مقاصد المنافقين في هذا الزمان من بناء المنشآت التي يكون لها القصد الكبير وخاصة أجهزة المخابرات والمباحث التي عملها التحريش بين المسلمين، وكما رأينا بعض الحكومات التي تقوم بدعم الفئات المتقاتلة، الفئات المتشاحنة من أجل أن يبقى هذا الأمر فيهم ويكون السيادة لهؤلاء المجرمين وعندهم القاعدة أو.. هذه كانت سياسة بريطانيا من قبل (فرق تسد) وهؤلاء أذناب البريطانيين وأذناب الأمريكان يقومون بنفس فعلهم فرق تسد.
ولكن نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرد كيدهم في نحرهم وأن يصلح ذات بين المسلمين وأن ييحي قلوب المسلمين بالإيمان والتقوى وأن يرد ألفتهم ومحبتهم لبعضهم البعض وأن يحيي بذلك أمة الإسلام من جديد كما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان عليه الصلاة والسلام ما إن يرى نواة لذلك إلا وجاء مباشرة عليه الصلاة والسلام وأنهاها في مهدها.
كما جاء في الأحاديث وفي تفسير قول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله هدي إلى صراط مستقيم) (سورة آل عمران)
جاء في تفسير هذه الآيات أن اليهود غاضهم ما كان من ألفة الأنصار الأوس والخزرج في المدينة، فمر أحدهم مرة ورأى الأوس والخزرج في مجلس جميعًا يتحدثون ويتجاذبون أطراف الحديث ويضحكون فقال: والله ليس لنا بها مقام وقد اجتمع جمع بني قيلة، فأرسل غلام له، فدخل بينهم وذكرهم بحرب بعاث التي كانت قبل الإسلام وقبل الهجرة، فتواثب الحيان وكاداو أن يقتتلوا، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك جاء عليه الصلاة والسلام مسرعًا يجر رداءه حتى وقف بينهم وقال: “أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهوكم دعوها فإنها منتنة” وأنزل الله هذه الآيات يبين شر أعداء الله وكيف أنهم يريدون التحريش والفرقة بين المسلمين.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يصلح ذات بيننا وأن يوفقنا لما فيه الألفة والمحبة بين المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.