جديد: موقع خاص بالأناشيد .. أكثر من 1000 مادة للاستماع والتحميل

دخول موقع الأناشيد
CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

نص إصدار: تأملات في سورتي النور والحجرات (11)

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد،
في درسنا هذا سنتأمل في قول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (سورة الحجرات).
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: “يقول تعالى ذكره يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إن جاءكم فاسق بنبأ عن قوم فتبينوا، واختلف القراء في قراءة قوله (فتبينوا) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة (فتثبتوا) بالثاء، وذكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء، وقرأ ذلك بعض القراء فتبينوا بالباء بمعنى أمهلوا حتى تعرفوا صحته، لا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى فتثبتوا وهذا أيضا من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره ولا يأخذوه مجردًا، فإن ذلك خطرًا كبيرا ووقوعًا في الإثم.
فإن خبره إذا جعل بمنزلة الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق، بسبب ذلك الخبر، ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه كذّب ولم يعمل به، ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول وخبر الكاذب مردود وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا”. انتهى.
إذن بيّن الإمام ابن جرير رحمه الله أن الخبر إذا جاء على ثلاثة أحوال، إما أن يكون خبرًا من صادق معلوم الصدق والعدل فهذا يقبل، وإما أن يكون خبرًا جاء عن كاذب فيرد، وإما أن يكون خبرًا جاء عن فاسق فهذا يتوقف في خبره حتى نتأكد ونتبيّن ونتثبّت من هذا الخبر، ولابد من التبيّن من خبر الفاسق الكاذب، وإلا وقعنا في إثم وفي مشكلة كما قال الله سبحانه وتعالى في هذه الآية (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
هذا يبيّن لنا ويوحي لنا أن لابد أن نعرف حال من ينقل الخبر، ولا يكتفى بذلك أنه أحد من المسلمين، لا، لابد أن نعرف حال هذا الشخص الذي جاء بهذا الخبر، كيف هو حاله؟ هل هو من الصادقين، هل هو ممن يأخذ الخبر بدون أن يتأكد منه؟ هل هو من الناس الذين يحبون نقل الأخبار وبثّها في كل مكان، فلابد أن نعرف حال هذا الناقل للخبر.
ولنعلم أن عواقب الأخذ بخبر الكذاب، ومن لا يتحقق من الأخبار عظيمة وكبيرة وقد نقع في الظلم وقد نقع في عرض الناس، يعني بالجملة نقع في الخطأ والإثم، لذلك الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بين لنا أنه لابد من التثبت، أيضا هناك من الناس من يكثر من نقل الأخبار دون تحقق من صحتها، فلابد للمؤمن أن يجتنب الأخذ منه حتى ولو كان محقا في بعض الأحيان، لأنه أصبح ديدنه والأصل فيه نقل الكلام دون تحقق صحته.
يعني فلان من الناس أنا أعرف هذا الشخص أنه كلما جاءنا بخبر كان صادقًا فيه، فلن أكون مخطئًا إذا أخذت خبره يوما من الأيام على محمل الصدق لكن فلان من الناس آخر أعرف أنه لا يتحقق من الأخبار، بمجرد أن يطرأ على مسامعه خبر مباشرة يتكلم به ويبثه، فهذا لابد من التوقف في خبره حتى نتأكد من صحة كلامه.
وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
بعض الناس يبني على تحاليل، على ظن، على ربط الأمور بعضها ببعض حتى يستنتج إستنتاجًا يجعله خبرًا يقينًا كأنه رآه أو سمعه، ثم يبدأ ببثه على هذا الأساس، هذا لا ينبغي الأخذ منه، وينبغي رد قوله وينبغي نصحه فإن لم ينتصح فليوضع في خانة الكذابين الذين لا يؤخذ منهم قولا ولا خبرًا.
وفي سنن أبي داوود رحمه الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (بئس مطية الرجل زعموا) ما معنى زعموا، يعني يكثر: قالوا قالوا .. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله كره لكم ثلاثا، كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال).
قيل وقال.
الرجل المؤمن الصادق، لا يكون ديدنه دائما قالوا وقيل وكذا، لا، رجل إذا طرأ عليه خبر مباشرة أو جاءه الخبر مباشرة يتأكد منه فإذا تأكد من صحته فأراد مثلا إصلاح هذا الأمر لابد من نقله لمن يهمه الأمر ولمن يستطيع تغيير المنكر إذا كان هناك منكر أو نصح صاحب الخبر هذا أو ما يتعلق بهذا الخبر، فمثل هذا لابد أن نتأكد منه.
أيضا أفهام الناس تتفاوت، يعني بعض الناس يأخذ الأخبار ويفهمها على فهمه، فيذهب ينقل للناس فهمه وقد يكون فهمه خاطئًا ونقله للأخبار والأحداث حسب فهمه، فلابد من التنبأ لذلك.
والله أن بعض الناس أنت تعرفهم جيدًا وتعرف يعني طريقة تفكيرهم وفهمهم للأمور، فعندما يأتيك بالخبر تعرف أن المقصد ليس كما قال. وأن هناك يعني أمر فيما جاء به من خبر، فعندما تذهب وتتأكد تجد أنك محقًا فيما ظننته في هذا الأمر، لأنك تعرف فهمه قاصر في بعض الأمور.
فلابد من وضع عين الاعتبار عند الاستماع لناقل الخبر من هذه الجزئية أنه الأفهام تتفاوت.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا على التأكد والتثبت والتبيّن من الأخبار التي تنتقل وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، وكثر فيه الكذابون، وكثر فيه غير المتحققين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما فيه صالح ديننا ودنيانا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.