CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

نص إصدار: تأملات في سورتي النور والحجرات (9) الدرس التاسع

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فجزاه الله خير ما جزى نبي عن أمته، أما بعد:
في درسنا هذا سنتأمل في قول الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) (سورة النور).
قال ابن عاشور رحمه الله: “وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة، لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام، ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع، وقد أشارت مشروعية الإمامة إلى ذلك النظام، ومن السنة ألا يجتمع جماعة إلا أمّروا عليهم أميرا، فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين، فهو في مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد استئذانه، لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر، لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جمعت لأجلها”. انتهى.
في هذه الآية بيان أهمية الأمير، في كل أمر جامع، كالجهاد والجمعة والجماعة والسفر وغيره، وأيضا فيها بيان أهمية استئذان الفرد لأميره، لأمر طارئ يطرأ عليه، يطرأ على وجوده في هذا الاجتماع، في الجهاد أو في غيره من الاجتماعات، لابد من أن يستئذن، هذا إذا طرأ عليه الأمر، وليعلم الجميع أن الله سبحانه وتعالى ربط هذا بالإيمان أو بكمال الإيمان، ليس بنفي الإيمان ولكن بكمال الإيمان، (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه) وفي استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان أن هذا الاستئذان لبعض الشأن فيه ترك للأولى. (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم).
ففيه بيان أن هذا الذي استئذن وخرج من هذا الاجتماع قد ترك الأولى فلذلك يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان الذي يخرج من اجتماع بعد الاستئذان قد ترك الأولى فكيف بالذين يتسللون عن الاجتماعات المصيرية في حياة الأمة اليوم وخاصة الجهاد في سبيل الله، ويتخلفون عن الجهاد بعد أن عرفوه ومارسوه وذاقوا لذة مقارعة الكفار إرضاءً لله، ويرضون بعد ذلك للركون للدنيا بعد أن كانوا في ذروة سنام الإسلام.
هؤلاء قد أخطأوا بتخلفهم هذا بعد أن عرفوا هذه الفريضة وما فيها من عزة وشموخ وما فيها من إذلال للكافرين وما فيها من تمكين لدين الله، فهؤلاء أخطأوا خطأ عظيمًا فقط بتركهم للجهاد بدون استئذان. وهم أصلا عندما يأتي إنسان ليستئذن الأمير أن يترك الجهاد من أجل بيته أو من أجل داره أو من أجل أهله أو من أجل أي سبب من هذه الأسباب والأعذار غير الشرعية التي بينها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزوجاكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (سورة التوبة).
فإذا كان هذا خطأ من يترك الجهاد ويركن للدنيا ويرجع إلى بيته.
فكيف بمن يترك الجهاد ويسلم نفسه للطواغيت!
من يترك الجهاد ويعود إلى حضن الطاغوت وقد يدلي بمعلومات تضر المجاهدين وتؤثر على أعمالهم وأمنياتهم، فهذا بالضرورة قد ارتكب جرمًا إن لم يتب منه هو على خطأ عظيم. هذا الذي يترك الجهاد من أجل ماذا؟ بدون سبب، إما لحظ في نفسه أو مرض في قلبه أو بسبب الدنيا، أراد الدنيا، فياليته أخطأ خطأ بعودته إلى بيته وركونه للدينا، بل يذهب إلى أعداء المجاهدين ويسلم نفسه إليهم، فهذا خطأه أعظم وجرمه أكبر وهو على خطر عظيم كما ذكرنا.
وقد يقول إني رأيت أخطاء عند المجاهدين، فنقول لمثل هذا وهل الطواغيت وحكوماتهم لا يخطأون؟ وهب أن المجاهدين عندهم أخطاء، فكم ستكون أخطاءهم مقابل جرائم من سلمت نفسك لهم، عندما أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرية نخلة، بقيادة عبد الله بن جحش رضي الله عنه إما أنهم كانوا في آخر يوم من جمادى الثاني، هم دخلوا في رجب وظنوا أنهم في آخر يوم من جمادى الثاني أو في بداية شعبان.
فوجدوا القافلة والنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم لا تقتلوا أحدا، فهم يعني كانوا يظنون أن الشهر الحرام خرج، فرضي الله عنهم أخذوا القافلة وقتل أحد المشركين وأسروا اثنين، الشادهد أنهم عندما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاتبهم كيف قتلوا في الشهر الحرام. فقالوا يا رسول الله والله ما علمنا، يعني أخطأوا، أرسلت قريش تقول للنبي صلى الله عليه وسلم كيف تفجر في الشهر الحرام، أنت تزعم أنك رسولا من عند الله سبحانه وتعالى ثم تفجر في الشهر الحرام! فأنزل الله سبحانه وتعالى (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كيير)
يعني كبير القتال في الشهر الحرام لكن في المقابل ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) (سورة البقرة) فإن كان هؤلاء المجاهدين أخطأوا بقتلهم في الشهر الحرام فأنتم جرمكم أعظم في مقابل خطئهم هذا.
(وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) هكذا يتعامل القرآن مع أخطاء المجاهدين ، عندهم أخطاء! ليس هناك أحد يعمل ولا يخطئ، لابد من الخطأ، لكن كيف نتعامل مع خطأ المجاهدين؟
نتعامل مع خطأ المجاهدين بالمقارنة بأخطاء أعدائهم، أيهما أكبر خطأ؟ المجاهدون اليوم أم أمريكا؟ أيهم أكبر خطأ؟ المجاهدون اليوم أم الطواغيت الذين بدلوا شرع الله ووالوا الكفار؟ هكذا نزن الأمور، وخطأ المجاهدين مغفور في مقابل حسناتهم.
عندما هُزم المسلمون في غزوة أحد كيف تعامل الله سبحانه وتعالى مع خطأ الرماة الذين نزلوا من الجبل وتسببوا في تلك الهزيمة، قال الله سبحانه وتعالى (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) (سورة آل عمران)
والذين هربوا في تلك المعركة هزموا وهربوا، ماذا قال الله لهم، سبحانه وتعالى (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم) (سورة آل عمران).
فهذا الله سبحانه وتعالى يتعامل مع أخطاء المجاهدين إما بمقارنة هذا الخطأ بخطأ أعداء الله أو بالعفو والصفح عنهم وأنت تأتي وتقول أن المجاهدين عندهم أخطاء فتذهب وتسلم نفسك لأعدائهم وتدلي بمعلومات تضرهم! وتظن أنك قد أحسنت، كيف يكون هذا!
ثم انظر، مهما بلغت أخطاء المجاهدين فهل الحل أن تسلم نفسك لأعدائهم أم أن الحل والصواب أن تصلح وتنصح وتصبر حتى يأتي أمر الله ووالله يا من سلمت نفسك أنك تعلم أن زعمك هذا ما هو إلا ذريعة وحجة واهية أردت أن تجعلها سببا لهروبك من الجهاد والله المستعان، وعن الله تجتمع الخصوم.
لو أنك صدقت مع نفسك وذكرت أن سبب هذا حظ نفسك أو ضعفك كما بعض الشباب ممن سلم نفسه ولكنهم صدقوا مع أنفسهم عندما سئلوا بعد تسليمهم لأنفسهم، لماذا سلمت نفسك؟ قال أنا ما أستطيع ولكن إخواننا هم خير منا وهم على الصواب أما أنا فضعفت، ضعفت وسلمت نفسي، هذا وإن كان أخطأ إلا أنه أفضل حالًا ممن يأتي ويسلم نفسه لأعداء الله ثم يضع الجرم ويضع الخطأ على من؟ على أهل الجهاد والله المستعان.
وأيضا نحن نحذر هذا الذي سلم نفسه، أنه بتسليمه بنفسه لأعداء الله يعرض نفسه للفتنة وأنهم لن يرضوا منه بتسليم نفسه فقط فإنهم سيطلبون منه الضمانات التي تضمن أنه لن يعود إلى الجهاد وقد يطلبون منه معلومات تضر بالمجاهدين وفي هذا ركون لأعداء الله وإبلاغ بمعلومات على المسلمين وفي هذا خطرا عظيما وقد يصل إلى حد موالاة الكفار والعياذ بالله.
فليس عليك أن توقع نفسك في مثل هذا الأمر وفي مثل هذا الذل والخزي، ماذا لو أنك ثبت مع إخوانك ؟ أو كما قلت لك من قبل، وكما قلت من قبل، إن كان ولابد فارجع إلى بيتك. خطأ، هذا الأمر خطأ ولكنك لن تصل إلى الخطأ والجرم الذي يصل إليه من سلم نفسه لأعداء الله.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يثبتنا على دينه وعلى الجهاد في سبيله وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بهذا الدرس بإذن الله نكون قد انتهينا من تأملاتنا في سورة النور وسنبدأ بإذن الله تعالى بتأملاتنا في سورة الحجرات نسأل الله التوفيق والسداد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.