معاً إلى الله (1)

المشاهدة

 

التحميل

 

التفريغ

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
——
أيها الإخوة المسلمون في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد
أود أن أتحدث هذه المرة عن ظاهرة قديمة جديدة، يراد بها محاربة الإسلام وعقيدته، ألا وهي الدعوة للإلحاد.
والإلحاد قديم في تاريخ البشرية، وقد أشار إليه القرآن الكريم في مواضع، كما رد على دعاته أهل الإسلام من لدن حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لليوم، والإلحاد مع قدمه إلا أن صورته قد تتشكل وتتغير، ولكن حقيقته واحدة، وهي الانحراف عن منهج الله المنزل.
وأود أن أشير إلى أن الإلحاد في القرآن لا يقتصر على ما تعارف عليه الناس وخاصةً في هذا العصر، من أنه إنكار وجود المولى سبحانه، ولكن الإلحاد في القرآن أعم من ذلك، فهو يعم كل انحراف عن عقيدة الإسلام وشريعته، قال الله -سبحانه وتعالى- عن المسجد الحرام: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
وذلك أن الإلحاد في اللغة هو الميل وترك القصد.
والإلحاد العقدي في زماننا يمكن تقسيمه لإلحادين: إلحاد نفي؛ وهو ما ينصرف له عرف الناس، ويعنون به إنكار وجود الله سبحانه، وإلحاد تعطيل؛ وهو نفي بعض الصفات عن المولى ونسبتها لغيره، ومن أظهر أمثلتها -في عصرنا- النظم العلمانية، التي تتحاكم لغير الشريعة، ويبررون هذا بأنه علمانية جزئية، لا تعادي الدين، فهؤلاء ألحدوا في اسم من أسمائه سبحانه، فعطلوا صفةً من صفاته، وهي صفة الحكم، فالله هو الحكم. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله هو الحكم” .
والملاحدة النفاة -على مدى التاريخ البشري- قلة، وقد تضعضعت أحوالهم -في هذا الزمان- بعد سقوط الشيوعية. ولكن الملاحدة المعطلين هم أكثر فئات الضالين، ومعهم كانت معظم معارك الرسل والموحدين.
وأنا اليوم أود أن أركز على إلحاد النفي.
وسأقسم حديثي -بعون الله ومشيئته- لثلاثة أجزاء:
الأول: وهو أقلها أهميةً؛ عبارة عن رد مبسط موجز على الملحدين النفاة.
والثاني: حول الدوافع المختلفة لإلحاد االنفي.
والثالث: حول الأهداف السياسية لنشر الإلحاد بين المسلمين.
***
الجزء الأول: رد على الملحدين النفاة

سأحاول أن أكون في هذا الرد بسيطًا وموجزًا قدر إمكاني، لأن هذا الأمر تناوله علماء الإسلام بتفصيل طويل، بل الكثير من أصحاب الأديان الأخرى قد تناولوه.
كما أن الإلحاد منبوذ في فطرة البشر، يأباه السواد الأعظم منهم.
وسأقسم حديثي في هذا الجزء -بعون الله ومشيئته- لثلاثة أقسام:
– أولها: في رد موجز على عقيدة الملحدين النفاة.
– وثانيها: عرض موجز لبعض لوازم عقيدتهم.
– وثالثها: توضيح هذا الرد باقتباسات من أقوال ملحدين مشاهير، ارتدوا ثم تابوا وعادوا للإسلام.
***
وقبل البدء في الجزء الأول من الرد على عقيدة الملحدين النفاة، أود أن ألخص ما هو مجمل عقيدتهم على اختلاف أهوائهم وآرائهم.
ملخص قولهم أن الواقع الموضوعي -الذي يسمونه المادة- مستقل عن الوعي، ومؤثر فيه.
والمادة عندهم هي الجسم ذو الامتداد والوزن والشاغل حيزًا من الفراغ، وهي المكونة الأصلية للأشياء وعناصرها، وهي مستقلة عن الوعي، بل ما الوعي إلا انعكاس لها.
وهي أولية في الوجود والتأثير، بينما الوعي تابع ثانوي لها. ولذلك قاد هذا المذهب كل القائلين به لنفي وجود المولى سبحانه، وأنه لا خالق لهذه المادة، لأنها -في نظرهم- هي الأولى.
وأن هذا الوجود بأجرامه ومخلوقاته وأحيائه إنما نشأ صدفةً، ويمضى إلى غير غاية، ووصل لما وصل له بسلسة من الأفعال وردود الأفعال العشوائية. وهؤلاء هم الذين كانوا يسمون بالدهريين عند علماء المسلمين.
فيقول جوليان هكسلي:
“لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدةً من قصائد شكسبير! فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجةً لعمليات عمياء، ظلت تدور في (المادة) لبلايين السنين”.
ويعبر برتراند رسل -الفيلسوف الملحد الشهير- عن هذه النظرة اللاعقلية الموحشة البغيضة بقوله:
“والإنسان وليد عوامل ليست بذات أهداف، إن بدأه ونشوءه وأمانيه ومخاوفه وحبه وعقائده كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفاقي في نظام الذرة، والقبر ينهى حياة الإنسان. ولا تستطيع أية قوة إحياءه مرةً أخرى. إن هذه المجهودات الطويلة والتضحيات والأفكار الجميلة والبطولات العبقرية كلها سوف تدفن تحت أنقاض الكون، ولو لم تكن هذه الأفكار قطعيةً فإنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة، حتى إن أية فلسفة تحاول إنكارها ستلقى فناءها تلقائيًا”.
وهو بهذا يبين خلاصة الفكر المادي، فالكون بلا هدف، تتلاشى فيه معايير الخير والشر، حتى أن إبادة الناس بالقنابل لا تعد ظلمًا، لأنهم سوف يلقون حتفهم على أية حال يومًا ما. وسأشير لهذا -إن شاء الله- عند الحديث عن لوازم إلحاد النفي.
كذلك تأثرت الاتجاهات المادية اللادينية أيما تأثر بنظرية دارون في النشوء والارتقاء، وإن كان دارون لم ينف وجود المولى سبحانه، ولكنه زعم أن تطور الإنسان -من كائن وحيد الخلية بسيط إلى الإنسان الحالي- لا يحتاج في تفسيره لافتراض وجود الله.
وأن هذا التطور تم عشوائيًا، وأن البقاء كان للكائنات الأقوى أو الأقدر على التكيف، التي استطاعت البقاء عبر الصراع مع غيرها من الكائنات، والتكيف مع عوامل الطبيعة.
وقد أشار القرآن الكريم للملحدين النفاة، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾، وقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾.
ولكن معركة القرآن الكبرى كانت مع الشرك، لإن الإلحاد طارئ وقليل في تاريخ البشرية، حتى الاتحاد السوفيتي -الذي كان يرعى الإلحاد رسميًا- انهار بعد ستين سنة، والصين تحولت لدولة رأسمالية، وحلف وارسو تجده في أرفف المكتبات، ومعظم أعضائه لحقوا بحلف الناتو.
وقد رد القرآن الكريم على الملحدين النفاة بجواب بليغ مسكت، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
ففي هذه الآيات رد عليهم القرآن الكريم بالتحدي المعجز في قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾، فهذا تحد بما سيقع في الغيب، وقد وقع وانتصر الإسلام وانهزم الشرك، وكذلك تحداهم بمعجزة القرآن في قوله تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾.
ثم تحداهم بالدليل العقلي المفحم في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
وذلك أن معرفة الحق لها طرق منها:
طريق الوحي الذي ثبت بالإعجاز، وهو أشرفها.
ومنها طريق الاستدلال بالفطرة التي ركزها المولى سبحانه في النفس الإنسانية.
ومنها طريق النظر في مخلوقات الله ونظمها وسننها.
ومنها طريق الاستدلال العقلي.
ولن يبلغ برد اليقين وراحة سكينة النفس إلا من تابع الوحي.
واستعمالنا للعقل إنما للتعرف على سبل الوصول للحق، ولرد شبهات ووساوس النفس، ثم لرد جدال المخالف.
أما الراحة والسكينة والرضا فلا سبيل لها إلا بمتابعة وحي الرب الودود الرؤوف إلى أنبيائه صلى الله عليهم وسلم، وأشرفهم وخاتمهم حبيبنا وسيدنا وهادينا للحق محمد صلى الله عليه وسلم. يقول عنه الحق سبحانه: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وكل مؤمن وملحد لا بد أن يقر أنه إذا ثبت نزول الوحي من المولى سبحانه فلا بد من متابعته.
ولهذا إذا جاء ملحد وقال: أنا لا أقتنع بالإسلام أو الأديان، لأنها مثلًا تحض على الكراهية والعنف والظلم إلى غير ذلك، فهذا هازل غير جاد.
لأن المؤمن الجاد إذا بلغه أمر الله ورسوله قال: سمعنا وأطعنا.
والملحد الجاد لا يبحث في حكمة الأديان لأنه لا يؤمن بمن أنزلها، فإذا آمن به وجب عليه اتباع وحيه.
وفي الحقيقة أن الناس لا يفصل بينهم إلا وحي منزل من السماء، وإذا ردوا لعقولهم، فلكل واحد منهم عقل يدعي أنه دله على العلم الضروري.
وأنا مستعينًا بالله سأورد باختصار الرد على الملاحدة النفاة بهذه الطرق: العقلي والفطري والإعجازي.
وسأبدأ بالاستدلال العقلي، حتى لا يقول الملاحدة النفاة أني أتهرب منه، أو أنهم لا يؤمنون بالوحي فكيف أستدل عليهم به، وهو دليل ملزم لهم كما سأبين إن شاء الله.
فأما الرد العقلي فمنه:
أولًا: إن هذه الكائنات الموجودة في الكون كل منها له بداية ونهاية، سواءً كانت أحياء أو جمادات، فهذه الكواكب تنشأ وتفنى أو تنفجر، وهذه النباتات والأشجار والبشر ينشئون ثم يموتون، وهذه الشمس تنفجر باستمرار فينقص من كتلتها -مع غيرها من الكواكب- ملايين الأطنان.
ومن البديهي أنها لم تنشئ نفسها، ولا بد لها من موجد، فكل موجود أوجده موجد، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
والعقل لا يقبل أن يكون كل موجود منها أزلي، ولا يقبل أن يكون موجدها عدمًا محضًا،
إذًا فلا بد من موجد أول لم يوجده غيره، وهو الحق سبحانه، القائم بذاته، المستغن في وجوده عن غيره، أو كما سمى سبحانه نفسه: القيوم. قال عز من قائل: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
وثانيًا: كل من هذه الموجودات ممكنة الوجود أو العدم، ففلان من الناس، لو لم يتزوج أبوه أمه لما وجد، ولكان معدومًا، إذن فقد كان من الممكن أن يكون معدومًا أو موجودًا، وكل ممكن الوجود محتاج
لمن يرجح وجوده على عدمه، والعقل يأبى أن يكون فلان هذا نفسه هو الذي أوجد نفسه، لأن هذا يقتضي أن يكون موجودًا قبل وجوده، وهذا تناقض، إذن فلا بد من موجود أول، وجوده واجب، أي لا يحتاج في وجوده إلى غيره، وهو الحق سبحانه وتعالى القيوم بذاته، والذي لم يسبق وجوده وجود، ولم يكن وجوده محتملًا، بل كان وجوده حتمًا واجبًا.
وثالثًا: كل موجود من الموجودات يفتقر في وجوده إلى سبب لإيجاده، فالبذرة سبب في النبات، والثمرة السابقة على البذرة سبب في وجود البذرة، وهكذا تتكرر الأسباب، كل موجود له سبب أو علة في وجوده، ولا يقبل العقل أن يكون الموجود -المحدود ببداية ونهاية، والمحتمل وجوده أو عدمه- سببًا في وجود نفسه، ولا يقبل العقل ألا يكون هناك سبب أول للموجودات، إذن فلا بد من علة أولى وسبب أول، مستغن في وجوده عمن يسببه، قال الحق سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ورابعًا: إن هذه الموجودات تتغير من حال لحال، فالطفل ينشأ صغيرًا، ثم يتدرج حتى الهرم، فمن الذي غيره؟ ومن البديهي أنه لم يغير نفسه، إذن فهناك من غيره، فمن الذي غير من غيره؟ وهكذا تتسلسل الأسئلة، ولا يقبل العقل أن لا يكون هناك مصرف أول صرف الكائنات، ولا يصرفه غيره، وهو الحق سبحانه، قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
ولمزيد من التبسيط والتوضيح أورد ما سبق على شكل الحوار التالي:
أنت تعلم أنك حادث، وجدت بعد أن لم تكن، فإما أن تكون قد أوجدك العدم المحض بلا موجد، أو أن يكون شيئ آخر قد أوجدك.
ومن المستحيل أن تكون قد أوجدك العدم المحض بلا موجد. إذًا لا بد لك من موجد.
وهذا الموجد إما أن يكون أنت أو غيرك.
ومن المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك، أي كنت ضرورةً موجودًا قبل أن توجد. وهذا تناقض أوغل في البطلان.
إذًا لا بد أن يكون موجدك غيرك ضرورةً.
وهذا الغير إما أن يكون محتاجًا إلى موجد أو لا يكون.
ولا يجوز أن يكون مثلك محتاجًا لغيره، لأن ما قلناه عنك ينطبق عليه تمامًا .
إذًا لا بد أن يكون الموجد خالقًا قيومًا، أي قائمًا بذاته، غنيًا بنفسه
غير محتاج إلى موجد أصلًا، وهذا هو الله الحي القيوم.
وخامسًا: أقول للذين يرون أن هذا الكون قد وجد صدفةً، بتفاعل بعض العناصر، التي كانت موجودةً في ظروف معينة ونسب معينة وأزمنة معينة، وكذلك الحياة نشأت بتفاعل بعض العناصر في ظروف معينة فجاءت صدفةً.
أقول لهم:
إن كلمة الصدفة هي مجرد تعبير وصفي لا يجيب على التساؤلات السابقة، فمثلًا إذا كنت تسير في الطريق، فقابلت صديقًا قديمًا بلا ترتيب ولا موعد، فهذا احتمال، وكان من الممكن أن تقابل غيره، ممن تعرف أو لا تعرف، ممن رتبت أو لم ترتب لقاءهم.
إذن من الذي جمعك بهذا الصديق في هذا المكان وذلك الزمان؟
بل إذا قابلت -بدلًا منه في نفس الظروف- غيره، أي تحقق احتمال آخر، فمن الذي حقق هذا الاحتمال الآخر؟
إذن يبقى السؤال بـ(من) معلقًا بلا إجابة. وكلمة “من” يكرهها الملاحدة.
ثم إذا كان كل هذا الكون قد وجد صدفةً، فمن الذي أوجد الصدفة؟ من الذي أوجد العناصر اللازمة بالنسب اللازمة في الأحوال الضرورية اللازمة في الأزمنة اللازمة بالحركات اللازمة بالشروط اللازمة لتلك الصدفة؟
إن قال الملحد: لا أعلم. قلنا له: فلم علمت أن الكون قد وجد صدفةً؟
وإن قال: إنما أوجد الصدفة صدفة قبلها. قلنا له: نحن في حاجة لعدد ضخم من الصدف، فكل عنصر من العناصر نشأ صدفةً، وكذلك الظروف الضرورية من الحرارة والضغط والحركة والمكان والزمان والسرعة واتجاه السير… إلخ كل منها قد أوجدته صدفة، ثم جاءت صدفة فجمعت كل هذه الصدف، ثم جاءت صدفة أخرى فجعلتها تتفاعل مع بعضها؟
ثم لا بد أن تتسلسل الأسئلة: فمن أوجد صدفة الصدفة؟ ومن أوجد صدفة صدفة الصدفة؟ في عبث لا متناه من الضلال.
ثم نقول لذلك الملحد: نحن لم نسألك -فقط- كيف توفرت ظروف الصدفة؟ ولكن نسألك -أيضًا وبإلحاح- من أنشأ الصدفة؟ من هو المتسبب في إيجادها؟ أتلكم العناصر والظروف التي وفرت الصدفة أوجدت نفسها؟ أم أوجدها موجد؟؟؟ وصدق الله العظيم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
وبنفس المنطق يقال لأمثال جوليان هكسلي صاحب مثال القردة الستة والآلة الكاتبة؛ من الذي أوجد القردة الستة؟ ومن الذي أوجد الآلة الكاتبة؟ ومن الذي جمعهم في مكان واحد؟ ومن الذي مد في عمر القردة لبلايين السنين؟ ومن الذي منح الآلة الكاتبة الصلابة حتى تستمر في العمل لبلايين السنين؟ دون أن تتلف أو تحتاج لصيانة أو تبلى أو تنبري من شدة الطرق عليها؟ ومن الذي أمدها بالورق؟ وأدخله فيها؟ ومن الذي أمدها بالحبر؟ وداوم على إمدادها به؟ ومن الذي أجبر القردة على البقاء يطرقون على الآلة الكاتبة لملايين السنين دون أن يملوا ويفروا؟ هل كان معهم مراقب يجبرهم على العمل المتواصل؟ ومن هو؟
وكلمة (من) والسؤال بها يكرهه الملحدون، كما ذكرت.
ثم إذا كان العمل لمدة ملايين السنين قد أنتج قصيدةً واحدةً أو احتمال قصيدة -في زعمك- لشكسبير، فكم من الزمن سيلزم لإنتاج كل قصائده؟ وكم من الزمن يلزم لإنتاج كل قصائد الشعراء الإنجليز؟ وكم من الزمن يلزم لإنتاج شعر كل شعراء الدنيا؟ وكم من الزمن يلزم لإنتاج كل الأدب في الدنيا؟ وكم؟ وكم؟ وكم؟…..؟
ثم إذا كنت تقول إن بلايين النسخ -التي لا معنى لها- وجدت من بينها ورقة واحدة، فيها قصيدة لشكسبير، فيلزم من كلامك أن إنتاج عالم واحد بالصدفة لا بد أن يصاحبه بلايين العوالم وبلايين المخلوقات المعطوبة الفاسدة المحطمة، وأن بلايين النسخ الفاسدة هذه هي الغالبة الطاغية، فأين هي؟؟ وصدق الله وكذبت ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2} الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ {3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وبعض الملحدين يكابر ويزعم أن هناك أكوانًا أخرى معطوبةً لا نراها، ونحن لا نتعامل مع الأوهام والفروض الخيالية. وإذا كنت لا تؤمن بالمولى سبحانه، الذي قام البرهان الضروري على وجوده، بزعم أنه غيب، فكيف تدعونا للإيمان بخرافة؟
ثم في كوننا هذا أين بلايين المخلوقات والموجودات المعطوبة؟ لماذا تستخف بعقولنا وتحدثنا عن أكوان وهمية؟ أهذا هو نهاية ما تسميه بالتفكير العلمي؟
ثم يقال -لمن قال: إن العالم حدث ويجري بالصدفة وبطريقة آلية-: أنت أولى أن يقال لك: إن ما تزعمه نظريات عميقةً وأفكارًا رصينةً ليست إلا مجرد أصوات صدرت من فمك، أو حروف على ورق تجمعت بالصدفة فظهرت كما تنطقها، أو تكتبها، وحقيقتها عبث لا فائدة منه ولا هدف ولا غاية، ولم تقصدها، بل والأفكار التي في رأسك ما هي إلا مجموعة من التفاعلات الكيماوية العشوائية الآلية، حدثت في خلايا الدماغ العصبية بطريق الصدفة، فأنتجت هذا الهراء.
أفهذا الكون المحكم الصنع المحير المبهر حدث صدفةً؟ وأنت فكرك رصين مقصود، نشأ عن نظر متأن وقواعد محكمة ومقدمات يقينية ونتائج لازمة، وهو فكر ذو غاية وهدف يسبر أغوار الحقيقة! لماذا يكون فكرك استثناءً عن الكون؟
ثم نقول له: لو افترضنا أنك اكتشفت يد لص، وقد اندست في جيبك، فأمسكت بها وبه متلبسًا بجريمة السرقة، ثم لما علم اللص أنك من المجادلين بالصدفة، قال لك: إنما دخلت يدي لجيبك بالصدفة. فماذا أنت قائل له؟ هل تقول له: مرحبًا بأخي في العقيدة؟ أم تسوقه للشرطة؟ وإذا سألك سائل: لماذا تسوقه للشرطة؟ فماذا أنت قائل له؟ أفتقول له: لكي تأخذ العدالة مجراها من هذا اللص الأثيم، الذي لا يعرف خلقًا ولا قيمًا. فأية عدالة وأي خلق وأية قيم هذه؟
العدالة تتطلب حقًا مسلوبًا لتوصله لمستحقه، فما هو الحق؟ وما هو المستحق؟ في عالم كله صدفة في صدفة وعبث في عبث.
ثم إن العدالة تتطلب شريعةً تنفذها، والشريعة تتطلب أخلاقًا وقيمًا تنتجها، فأي أخلاق وأية قيم؟ إذا كان كل شيء خبط عشواء وصدفةً، وليس هناك قيمة ولا مرجعية عندك إلا واقعك الذي حدث بالصدفة.
وقد يماحك عبد الصدفة فيقول: إن الشريعة والأخلاق هي ما اتفق عليه العقلاء. فهذه إجابة تثير أسئلةً أكثر، منها على سبيل الإيجاز؛ على ماذا اتفق العقلاء؟ هل اتفقوا على خلق العالم بالصدفة؟ ثم كيف يتفقون؟ بالإجماع أم بأغلبية الناخبين الديمقراطية؟ لو كان الأمر بالديمقراطية فمعنى هذا أن ذلك اللص الذي ذكرناه، لو كان معه ثلاثة آخرون، وقابلوا عبد الصدفة في صحراء ليس فيها غيرهم، فمن حقهم أن يسلبوه ماله، وربما ملابسه أيضًا، وحينئذ سيعدونها من محاسن الصدف، أو رب صدفة خير من ألف ميعاد!!
ثم إن العدالة تتطلب فصلًا بين الخصومات، وهذا يتطلب سلطةً محايدةً لا تتأثر بالأهواء والنزعات ولا الميول لتفصل بين الموجودات، ولا يتحقق ذلك إلا في المولى سبحانه وتعالى المنزه عن النقائص.
ثم إن الحكم على الشيء -كما يقولون- فرع عن تصوره، ولذا لا يمكن للحاكم أن يحكم في قضية إلا إذا تصورها، وكلما كان تصوره أقرب للحقيقة كلما اقترب حكمه من الصواب، والعكس بالعكس، وحيث أن الإنسان -باتفاق الملحدين والمؤمنين- يجهل عن نفسه بل وعن سائر الكون -بأضعاف رهيبة- أكثر مما يعلم، لذا فإن القادر الوحيد على الحكم الصحيح هو المولى سبحانه وتعالى. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وسادسًا: وكذلك أقول -لمن يقول: إن هذا الوجود والحياة نشئا بلا هدف ولا غاية-: أنت أيضًا كلامك هذا -الذي هو جزء من هذا الوجود- يلزمك أن يكون عبثًا بلا غاية ولا قصد، وليس برأي حكيم ولا نظرية متماسكة، بل عبث وهراء بغير قصد ولا هدف؟
ثم لماذا نراك متحمسًا تضيع عمرك ووقتك في الدفاع عن نظرياتك ونشرها والرد على مخالفيها؟ إن كان الأمر كله عبث في عبث. لم لا تدع مخالفيك يعبثون مع العابثين؟
وسابعًا: وكذلك الذين يقولون إن الإنسان نشأ تبعًا لنظرية النشوء والارتقاء من كائنات بسيطة تطورت بلا هدف ولا غاية ولا إرادة حتى وصلت للإنسان الحالي.
أقول لهم: ليس من شأن هذه الكلمة التطرق للثغرات الكثيرة فيما تقولون، ولكني أسألهم:
لو أن هناك كائنات تطورت من بعضها، فهل هي طورت نفسها؟ أم هناك من طورها؟ ومن هو؟؟
ولو أن مصنعًا مشهورًا ينتج كل سنة طرازًا جديدًا من منتج معين (سيارة- حاسوب- مذياع..)، وعادةً يكون بين الطرز المتتالية تشابه، كما أن المصنع يضع شعاره على كل طراز، فهل يمكن أن يكون التشابه بين الطرز المتتالية دليلًا على أن كل طراز قد نشأ وتطور من الطراز الذي قبله، أم يكون دليلًا على أن جهة الإنتاج واحدة؟
ثم لو جاء أفاق محتال لصاحب ذلك المصنع، فخاصمه أمام المحكمة بألا حق له في احتكار هذه المنتجات والاستئثار بفوائدها التجارية والقانونية، لأن هذه المنتجات نشأت بفعل تلاطم وتصادم عوامل عديدة خبط عشواء بلا ترتيب ولا قصد ولا غاية ولا سعي حثيث ولا إرادة في إنتاجها، وبالتالي فإن نسبتها لذلك المصنع وصاحبه وعدمها سواء، كما أن عدم نسبتها للمحتال الأفاق ونسبتها سواء، فهل يمكن أن تقبل دعوى ذلك المحتال الأفاق أمام أي قاض، حتى لو كان ذلك القاضي ملحدًا ماديًا متعصبًا لنظرية دارون في النشوء والأرتقاء.
ثم السؤال الأهم؛ أليس المولى -سبحانه وتعالى- بقادر على أن يخلق آدم في الجنة، ثم ينزله للدنيا في أي وقت يشاء، سواءً تطورت الكائنات أم لم تتطور؟
إذن القضية المحورية بيننا وبينكم هي في المولى سبحانه وتعالى، الذي تنكرون وجوده، أو تعطلون صفاته.
هذه هي القضية، وهي قضية البشرية في صراع الإسلام والكفر من بدايتها لنهايتها.
وثامنًا:
أقول للذين يزعمون أن هذا الكون نشأ من المادة: ما هي هذه المادة؟
لقد اكتشف العلم أن المادة بمعنى الجسم المتحيز ذي البعد والوزن يمكن أن تتحول لطاقة، وكذلك العناصر المختلفة تتكون من ذرات، وهذه الذرات تتكون من إلكترونات سالبة وبروتونات موجبة ونيوترونات متعادلة، وقوىً مختلفة تضمها لبعضها، وتضبط الإلكترونات في مساراتها، وشحنات كهربائية، وأمواج مختلفة، وإشعاعات، إلى غير ذلك من المجهولات.
ثم هناك الضوء المكون من الفوتونات، التي تتصرف أحيانًا كأجسام، وأحيانًا كأمواج.
ثم هناك الحرارة، التي تنتقل من الأجسام الساخنة للباردة.
ثم إن كتلة الأجسام تتلاشى، والإشعاعات تضعف، والحرارة تنتقل -حسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية- من الحار للبارد، فتبرد الأجسام.
فأي شيء مادتكم؟
فمنهم من يقول: المادة الأولية أزلية،
ومنهم من يقول: المادة والحركة أزليتان، بل القوانين الحاكمة.
فأقول لهم:
1- أنتم تدعون الكفر بالغيب، ولكنكم تعتقدون في غيبيات اضطررتم لها لما كفرتم بالواحد الحي القيوم سبحانه.
فما القانون العلمي والقوة والحركة والجاذبية وقوى الطرد والجذب والزمن الأزلي والبعد اللامتناهي والمادة الأزلية إلا مفاهيم لا تخضع للحس والمشاهدة والقياس، أي هي غيب، ومع ذلك لا يجرؤ أحد من الماديين على إنكارها، وإلا لاتهمه زملاؤه بالسطحية.
وسيأتي -إن شاء الله- أن الدكتور عبد الوهاب المسيري في رحلته من الإلحاد للإيمان قد أدرك:
“أن كثيرًا مما يسمى “القوانين العلمية” هي -في واقع الأمر- مقولات فلسفية قبلية، يؤمن بها العالم، وعلاقتها بعالم التجربة العلمية إما واهية وإما منعدمة”.
2- وأقول لهم: المؤمن والملحد متفقان على أن موجودات هذا العالم متغيرة، وكل متغير لا بد له من أصل ينشئه، والمؤمن يعتقد بأنه الباري سبحانه، أما الملحد فيعتقد أنها المادة الأزلية.
وهنا أسأله: هل هذه المادة التي تؤمن بها هي من جنس مادة مخلوقات وموجودات هذا العالم أم لا؟
فإن قال: نعم. إنها من جنسه، وقع في تناقضات:

التناقض الأول:
أن كون هذه المادة من جنس هذا العالم المادي يقتضي أن تكون جزءًا منه، وهذا يقتضي أن جزءًا من هذا العالم كان موجودًا قبل أن يوجد العالم، وهذا تناقض فاضح.
والتناقض الثاني:
أن كون هذه المادة من جنس هذا العالم يقتضي أن تكون لها بداية كما أثبت العلم، ويقتضي أن تقبل التغير والتطور، والملحد يقول بأزليتها وأوليتها، وهذا تناقض مع عقيدته.
والتناقض الثالث: أن كون هذه المادة من جنس هذا العالم يقتضي فناءها، والملحد يقول بخلودها.
وإن قال: لا هي ليست من جنس هذا العالم، وأعني بها المادة من حيث هي مادة.
إذن فيلزمه أنها شيء آخر غير هذا العالم، الذي نعرف أنه ممكن الوجود له بداية ونهاية.
فحينئذ أقول له: أنت قد أحلتنا على غيب مجهول، فلم تكفر بالله لزعمك أنه غيب مجهول؟
3- ما السبيل لمعرفتكم بهذه المادة المطلقة الأزلية والأبدية؟
إن قلت البرهان، وقعت في تناقض مع عقيدتك التي تزعم أنها لا تؤمن إلا بالواقع المادي الحسي.
ولزمك أن تقول: إني أؤمن بقوة غيبية مجهولة ليست من جنس هذا العالم.
إذن فأنت تكفر بالله لتعبد هواك إلهًا، وصدق الله العظيم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ.
وتاسعًا: أسأل الملحد عن هذه القوانين التي تحكم الكون:
فأول ما أسأله عنه هو: ما معنى أن يكون هناك قانون لأشياء، ألا يعني هذا وجود حفظ وضبط وتسيير على نمط معين لهذه الأشياء؟
فمثلًا إذا دخلت مستشفى، فوجدت أن كل الإجراءات تسير على نمط منتظم ومتسلسل، فماذا تستنتج؟ وإذا سرت في مدينة كبيرة فوجدت أن المرور يتدفق بسلاسة وانتظام دون حوادث، فماذا تستنتج؟
وإذا دخلت امتحانًا فأجبت في ورقتك إجابةً منمقةً مرتبةً منظمةً مستوعبةً، وأجاب زميل لك إجابةً مهوشةً لا يفهم منها شيء، ثم أعطاكما الممتحن درجةً واحدةً، فهل تقبل؟ أم تعتبر تصرفه ظلمًا بينًا؟ لم يفرق بين المنظم والفوضوي، والمرتب والمهوش، والضابط والمفرط، والحافظ والمضيع، ولم يفرق بين من أراد الضبط ومن لم يرده.
إذن لا يتصور أن تكون القوانين إلا أثرًا من أثار التصميم والإرادة والحكمة والقوة الغالبة على ما دونها.
قال الحق سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
وثاني ما أقول له: إن كل قانون لا بد له من مقنن قننه، ومن قانون أعلى منه يحكمه.
فمثلًا قانون لعبة كرة القدم، الذي ينظم تسجيل الأهداف والضربات الركنية وضربات الجزاء إلى غير ذلك، من الذي قننه؟ الجواب مثلًا: اتحاد كرة القدم.
ومن الذي قنن قانون اتحاد كرة القدم؟ الجواب مثلًا: الاتحاد العالمي لكرة القدم، أو وزارة الشباب والرياضة.
ومن الذي قنن قوانين وزارة الشباب والرياضة ونظم عمل موظفيها؟ الجواب مثلًا: قانون الموظفين والعاملين في الحكومة.
ومن الذي قنن قانون الموظفين والعاملين في الحكومة؟ الجواب مثلًا: مجلس الشعب أو البرلمان؟
ومن الذي قنن قانون عمل مجلس الشعب أو البرلمان؟ الجواب مثلًا: الدستور.
ومن الذي قنن الدستور؟ الجواب مثلًا: الاستفتاء الشعبي.
ومن الذي قنن الاستفتاء الشعبي؟ الجواب مثلًا: أصوات غالبية المنتخبين.
ومن الذي قنن تصويت المنتخبين؟ الجواب مثلًا: رغبتهم في العدالة والحكم الرشيد.
ومن الذي قنن رغبتهم في العدالة والحكم الرشيد؟ الجواب مثلًا: عقولهم.
ومن الذي قنن عمل عقولهم؟
وهكذا تتسلسل الأسئلة بلا نهاية.
إذن فلا بد من أول يشرع للخلق، مستغن بذاته، ولا يجري عليه حكم غيره، وهو المولى سبحانه الحي القيوم، يقول عز من قائل: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولذلك فإن من أسمائه سبحانه الحكم، كما جاء في الحديث الذي ذكرته آنفًا.
وهنا أسأل الملحد: من قنن هذه القوانين التي تحكم الكون؟
إن قال: هي أزلية لم يسبقها مقنن. إذن فأنت أحلتنا على قوة غيبية ليست من جنس هذا العالم، فلم تنكر وجود المولى سبحانه؟
وثالث ما أسأل الملحد هو: عن هذه المادة الأزلية وقوانين الطبيعة التي يزعم أنها هي التي أوجدت الكون؟
فأسأله: أهي موجودة فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي حية؟ فلا بد من الجواب بنعم. لأنها -في زعمكم- التي أوجدت الحياة، فلا يمكن أن تكون ميتةً.
وهل هي خالقة بارئة مصورة لغيرها؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي محيية ومميتة؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي رازقة؟ فلا بد من الجواب بنعم. لأنها التي وفرت الغذاء والماء والهواء.
وهل هي قادرة وقاهرة وحاكمة؟ فلا بد من الجواب بنعم.
ثم هذه المادة -على زعمكم- قد صدر عنها الكون، الذي أثبت العلم أن له بدايةً، إذن هي رجحت وجود الكون على عدمه، إذن هي مريدة مختارة، أليس كذلك؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي غالبة لإرادات غيرها؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي عالمة؟ فلا بد من الجواب بنعم. لأنها لو لم تكن عالمة فكيف منحتنا العلم؟
وهل هي حافظة؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي مدبرة؟ فلا بد من الجواب بنعم.
وهل هي هذا القميص الذي تلبسه، والجورب الذي في قدمك، والقلم الذي في جيبك؟ فلا بد من الإجابة بلا. لأن كل هذه مفعولات لغيرها ولها بداية ونهاية.
إذن هذه القوة مباينة للموجودات المحسوسة في العالم.
إذن هذه القوة موجودة حية خالقة بارئة مصورة محيية مميتة رازقة قادرة قاهرة حاكمة مريدة مختارة غالبة عالمة حافظة مدبرة مباينة للمحسوسات.
إذن لو كنت شجاعًا، لقلت: لا إله إلا الله.
وعاشرًا:
يعجز التصور المادي عن تفسير كثير من أسرار الحياة.
فما المشاعر والأحاسيس؟
ولماذا الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتساءل عن سبب وجوده ومصيره؟
ولماذا الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسجل المعرفة، وينقلها للأجيال التالية؟ فيتقدم في مجال العلوم.
ولماذا يضحي الإنسان راضيًا من أجل غيره؟
ولماذا يجد الإنسان في نفسه وازعًا قويًا لفعل الخير، وتأنيبًا في ضميره على فعل الشر؟
ولماذا تنشأ فيه عقدة الذنب إذا أذنب؟ فلا يرتاح إلا إذا أرجع للمظلوم حقه.
وما معنى البر ومساعدة المحتاج، وما معنى نصرة المظلوم؟
وما معنى الأمومة، والبنوة، والأبوة ؟
وما معنى الشهادة في سبيل الحق؟
وما الأمانة وما الصدق وما النزاهة وما الوفاء؟
كل هذه وأشباهها معان يقف التفسير المادي أمامها عاجزًا قاصرًا مذهولًا، لأنها لا يمكن تفسيرها كيميائيًا ولا فيزيائيًا، ولأن عالم المادة عالم يحطم القوي فيه الضعيف.
بل هناك ظواهر مادية يعجز العلم المادي عن تفسيرها:
فمثلًا ظاهرة التفرد: في البصمات وحدقة العين والحمض النووي، وظاهرة هجرة الأسماك والطيور لأماكن ولدت بعيدًا عنها.
والمادي المتعصب يزعم أن العلم سوف يكتشف حقائق هذه الظواهر، وهذه إحالة لمجهول، فلعله لن يعرفها، ولعله سيعرف بعضها ويجهل بعضها، ولعله غير قابل لمعرفتها، مثل الأبله الذي لو عاش ألف سنة فلن يفهم الرياضيات.
فتأمل كيف يحيلنا إلى الغيب والمجهول من يزعم العلمية التجربية الصارمة.
وحادي عشر:
أقول للملحد: أنت تزعم أن المادة سابقة للفكر، وهي أولية وهو تابع لها وأثر من آثارها، وهي أزلية قبله، فهل شاهدت ذلك بعينيك؟ هل كنت موجودًا في وقت كانت فيه مادة بدون فكر؟
فالجواب قطعًا: لا.
فأسأله: هل لديك دليل تجريبي محسوس يدرك بالحواس الخمس على هذا الزعم.
فالجواب: لا.
إذن فبما استدللت على ذلك؟
جوابه: بالبرهان.
إذن أنت أثبت أزلية المادة وأسبقيتها بدليل غير مادي محسوس، وهذا تناقض مع عقيدتك.
ثم أنت تزعم أن العقل والفكر والعواطف، قد نشأت من المادة، وهذه أشياء لا وزن
لها ولا حجم، فالإنسان حين ينام أو فور موته لا ينقص وزنه ولا حجمه.
إذن أنت أثبت صدور شيء غير مادي من شيء مادي، وهذا يناقض عقيدتك أن الكون
ليس فيه إلا المادة.
***
وأكتفي بهذا القدر، وأواصل الحديث في الحلقة القادمة إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.