مأسدة الأنصار العرب في أفغانستان

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

مأسدة الأنصار العرب بأفغانستان( )
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فمن باب الحديث بالنّعمة التي منَّ الله -سبحانه وتعالى- علينا، وتحريضًا للمؤمنين على هذا الأمر العظيم، فمن فضله -سبحانه وتعالى- أنّه في عام 1399هـ سمعنا أن الرّوس قد دخلوا إلى بلاد المسلمين في أفغانستان، وذهبت في تلك الفترة إلى باكستان من أجل نصرة إخواننا المسلمين في أفغانستان، واستمر ذهابي إلى باكستان إلى أن منَّ الله عليّ ودخلت أفغانستان، وكان وضع المجاهدين ضعيفًا في العدد والعدّة، خاصّة مستلزمات القتال، وشعرت بأنّنا مقصّرون في حقّ إخواننا الأفغان إذا لم نقم بكامل واجبنا نحوهم، وإنّ أفضل ما يكفّر عنّا هذا التقصير أن يُقتل الفرد وهو يجاهد في سبيل الله.
واستمرّ الحال، ومن فضل الله أنْ منّ علينا بالذّهاب إلى إخواننا المجاهدين، وكان انطباعي أنّ المسلمين مقصّرون نحو إخوانهم؛ لأنّ الشّيوعيّين الرّوس كانوا يساعدون الأفغان الشّيوعيّين، لاحظت اهتمام الأفغان وسرورهم بوجود العرب بينهم، وكان الوجود العربيّ يزيد الأفغان قوّةً وإيمانًا، وترتفع معنويّاتهم ارتفاعًا كبيرًا، وكان من شدّة محبّة الأفغان للعرب أنّهم كانوا يعاملونهم كضيوف، فلم يكلّفوا العرب بأيّ مهام عسكريّة وقتاليّة، وكان الشّباب العربيّ يتأذّى من ذلك لأنهم يريدون العمل كمجاهدين، ولهذا فكّرت في إنشاء مكان لاستقبال الإخوة العرب لإعدادهم للقتال، واستأذنت من أمير الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان عام 1404 هجرية -1984ميلادية- في إنشاء معسكر في منطقة قريبة من الحدود حتى يتدرب الإخوة، وقد بلغ عدد الإخوة الذين انضموا للمعسكر في ذلك الوقت حوالي مائة أخ، وكان هذا العدد قليل لأن الشّباب العربيّ تربّى في بلاده على حياة بعيدة عن العزة الحقيقة بالجهاد والذّود عن الدّين، وكان كثير من الشّباب يعتبر الجهاد نافلةً من النّوافل وأمرًا مندوبا.
كان ذلك في الصّيف، وعندما انتهى الصّيف وبدأت الدّراسة إذا بأكثر الإخوة الذين كانوا معنا انصرفوا عائدين إلى أوطانهم يراجعون دراستهم، رغم أنّ الذين حضروا من خير الإخوة، ولم يبقَ إلّا عدد قليل جدًا دون العشرة أفراد، منَّ الله علينا ووجدنا معسكرًا في (جاجي) داخل أفغانستان.

أنشأنا معسكرًا في منطقة (جاجي) داخل أفغانستان وذلك للتّدريب، وكنّا ندرّب أنفسنا بالخبرات الموجودة لدينا، واستمرّ الحال على ذلك، وكنّا حوالي خمسين فردًا، ولكن تكرر ما حدث في السابق، فمع الشتاء انصرف معظم الموجودين، فلم يكن هناك وعي كامل بأهمية نصرة هذا الدّين، وضرورة قتال الكفّار حتى يكون الدين كله لله.
بعد ذلك منَّ الله علينا في أواخر عام 1406هـ وأوائل عام 1407 أن عزمنا على البقاء في منطقة (جاجي) داخل أفغانستان حتى لو كنا عددًا قليلًا، وكنّا في ذلك الوقت أحد عشر شخصًا، ومعظمنا من المدينة المنوّرة، مدينة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، أذكر شفيق بن إبراهيم المدني -رحمه الله-، وطالب عبد العزيز النجار -أبو قتيبة- السّوري الحمويّ المدنيّ، وأخونا أسامة بن ملا حيدر المدنيّ، وأخونا أبو معاذ السّعدي مقيم في المدينة وفلسطينيّ الأصل، وأخونا أبو رجاء حسّان الأنصاريّ من المدينة أيضًا، وأخونا عبده أحمد حمود عثمان، وأخونا علي السّوداني، وأخونا محمد بن عبد السلام المعروف بأبي أنيس، وأخونا أحمد حسين بخشي من سكان المدينة المنورة.
كنا أحد عشر أخًا، وكنّا نعمل في شقّ الطّرق، وإنشاء الأنفاق في بطن الجبال، وكذلك المخابئ؛ وذلك لحماية المجاهدين الأفغان، ولكنّنا كلّفنا شفيق -رحمه الله- وأسامة حيدر لمتابعة الأمور العسكرية في المنطقة، ومما هو جدير بالذّكر أنّ كلّ هؤلاء الإخوة كانوا في حدود العشرين من العمر -أكرمهم الله-، كانوا قد تركوا دراستهم وحضروا للجهاد في سبيل الله، واستمرّ الحال في العمل، وأخبرنا شفيق وأسامة حيدر أنّ هناك جبل مشرف على مواقع العدو، وهو خالٍ من المجاهدين، وزرت هذه المنطقة فوجدت أنّها فعلًا منطقة خطيرة وحسّاسة جدًا، فسألت عن سبب عدم وجود مجاهدين في هذه المنطقة رغم أهميتها، فقيل لي إن الشتاء والثلوج تقطع الطرق، ويتوقّف الإمداد، ولكثرة القصف على تلك المنطقة.
كان في نيّتنا أن يكون لنا مركز خاصّ بالعرب ضمن المراكز التي نقوم بإنشائها، ولهذا قرّرنا إنشاء مركز للعرب في هذا المكان، لم يبق إلا ثلاثة عندما بدأنا العمل، الأخ شفيق، والأخ أسامة ملا حيدر، وأنا، أمّا باقي الإخوة فكانوا إمّا في إجازة، أو في أشغال أخرى.
وكنا في ذلك الوقت في حاجة ماسّة لأي أخ يأتي معنا؛ نظرًا لوحشة المنطقة وبُعدها من المجاهدين الأفغان وقربها من العدو، ولا يمكن أن يتيسّر لثلاثة فقط العمل والحراسة في نفس الوقت.
حاول أحد الإخوة أن يثنينا عن العمل، وكان في زيارة لنا، وحاول مع الأخ شفيق وأسامة، ولكن منَّ الله علينا بأخّين آخرين، وكانا متوجّهين إلى جبهة أخرى داخل أفغانستان، وكان أحدهم اسمه أبو الذّهب مصريّ من أصل سودانيّ، وقبل أن يذهب حضر لي وقال: إننا نحب أن نبقى معكم، فسررت بذلك سرورًا عظيمًا، وأثناء تحرّكنا للعمل في المنطقة التي أخذناها كان الطريق مكشوفًا وظاهرًا للعدو، فكان العدو يقصف علينا، فكنّا ننزل وننتشر من السّيارة ثم نتحرك من جديد.
اخترنا المنطقة التي أُطلق عليها (مَـأْسَـدة الأنـصـار) فيما بعد، كانت هذه الفترة من أجمل أياّم الإنسان، حيث كنا مرابطين بالقرب من العدو، وفي نفس الوقت نقوم بإنشاء الطّرق وحفر الخنادق، كنا نعيش في خيمة واحدة، وانضم إلينا الأخ ذبيح من أهل الطّائف واسمه محمد بن المبارك، كنا في خيمة واحدة، صلاتنا سويًا، قراراتنا سويًا، أكلنا في نفس المكان، وكنا نتناوب الحراسة، وكنا نشعر بوحشة شديدة لأن المكان مخيف للطرفين، للعدو ولنا، وكان الفرد منا لا يستطيع أن يبتعد كثيرًا عن مركز الخيمة لأنها منطقة غابات موحشة، ناهيك عن قربها من العدو، فاستمرينا على ذلك الحال فترة طويلة ثم أرهقتنا الحراسة، فطلبنا أحد الإخوة فحضر أخونا صالح الغامدي، وازداد العدد فوصل إلى سبعة، ومع ذلك كنا متفائلين ومستبشرين بأن يزيد عددنا، وبالفعل وصل العدد خلال شهرين إلى أربعين أخ، بعد ذلك جاءنا أخونا أبو حنيفة حسين عجيب، ثم جاء محمد الصّخري وهو من النّاس الذين لم تكن لهم وقفة تردد، رأيته في الحرم النبويّ وكنت عازمًا على السّفر، ورأيته بعد صلاة الفجر وكان أبو حنيفة قد أخبرني بأنّ هناك أحد الإخوة يريد أن يذهب إلى أفغانستان، وأنّ هذا الأخ يريد أن يكمل دراسته هذا العام ثم يحضر في الصّيف.
التقيت بالصخري وتكلّمت معه بضعة دقائق فانشرح صدره، وعزم على الذّهاب معنا غدًا، وعلم واجبه، ترك الدّراسة والشّهادة والدنيا، ومكث معنا حوالي أربع سنوات إلى أن منَّ الله عليه بالاستشهاد في (جلال آباد).
واما عن اختيارنا اسم (مأسدة الأنصار)؟
فقد تشاورنا في تسمية الموقع، فاختار الإخوة عدة أسماء فانشرح الصدر باسم مأسدة وأخذنا هذا الاسم من بيت الشّعر لأحد الصّحابة -رضي الله عنهم-، كان يمدح الرسول -ﷺ-، يقول بيت الشعر:
من سَرَّهُ ضربًا يُمعمِعُ بعضه بعضًا
كمَعْمَعَةِ الإباءِ المُحرقِ

فَلْيأتِ مأسدةً تُسنُّ سيوفُها
بينَ المَزادِ وجِذْعِ الخَندقِ

من أنصار الدين، رجع أخونا أبو حنيفة لتحريض الشّباب، فغاب عنا ثلاثة وعشرين يومًا، ورجع بثلاثة وعشرين رجلًا.
واستمرّ العدد في الزّيادة، وكنا نشعر بأهميّة هذا التّجمع، ويسألني الإخوة هنا، لماذا تميّزتم؟ فإن لذلك التّميز أسبابًا كثيرة؛ حيث أن الأخ يأتي من بلاده والجهاد كده، فتجتمع عليه عدة أمور، منها الجهاد، والغربة في اللّغة، والغربة في الطقس والتضاريس، لهذا فإنّ وجوده مع إخوانه يزيده صبرًا.
وكنّا قد بدأنا نصل إلى مرحلة كبيرة ومتقدمة من إنشاء المأسدة، وسمعنا في شهر رمضان سنة 1407هـ أن هناك أخبارًا بتحرّكات للعدوّ، ولم تكن المعلومات كافية، وقمنا بحفر الخنادق، كنّا قد عزمنا على القيام بعملية ضد العدو في 14 رمضان تقريبًا، وكان القائد الأفغاني قلب الدين حكمت يار في المنطقة، وحضر الشيخ سيّاف، وعزمنا على القيام بهجوم يوم 26 رمضان، وبدأنا ضرب المناطق التي تقع أسفل منا، وإذ بالرّد يأتي إلينا من مناطق بعيدة براجمات الصّواريخ (ب م 21)، وكانت بداية المعركة الطّويلة التي استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، وكان العدو قد خط ط لها، ونحن لم نخطّط إلا لمعركة تدوم ليوم واحد، وكان هدف الهجوم تدمير هذه المواقع، وقفل طريق (جاجي) وهو من طرق الإمداد الرئيسيّة لداخل أفغانستان.
وكان يوم 29 رمضان أعنف أيام القتال، وكنا قد علمنا أن القوّات المتقدّمة عددها حوالي عشرة آلاف جندي ومنها ثلاثة كتائب روسيّة وكذلك قوة كوماندوز روسية، حيث بدأ هجوم القوات الروسيّة والحكوميّة الأفغانيّة، وبدأت الدّبابات تتحرك وانتظرنا حتى اقتربت الدّبابات إلى مرمى نيران المجاهدين، فلمّا دنوا جميعًا بدأنا باسم الله وكبرّنا وأعطينا الإشارة باللاسلكي لجميع المدافع –مدافع المجاهدين الأفغان العرب–، بدأ القصف عليهم في وقت واحد، وكنت أتابع القصف من المرصد وشاهدت القذائف من فضل الله تسقط على الأعداء وتمزّقهم.
استمر القصف عنيفًا وكانت الجبال تهتزّ، ولكن من فضل الله لم يُصَب أحد من الإخوة بسوء، واستمر هذا الحال إلى المغرب، ورجعت من المرصد والتقيت بالأخ أبي عبيدة المصري، وهو من حفظة كتاب الله، ورأينا أن الرّوس لن يسكتوا على هذه الضربة لهم، وتوقّعنا أن يكون القصف أشد في اليوم التّالي، وقرّرنا أن نرجع ثلاثين من الإخوة العرب إلى معسكر خلفي لنا، وكنا حوالي سبعين مجاهدًا.
وفي اليوم التالي حدث ما توقّعناه، قصف عنيف منذ أول إشراقة للشّمس، أصبح عدد الإخوة في المأسدة حوالي أربعين أخًا، وكنت مع تسعة من الإخوة في كهف نطلق عليه (المتقدمة) وكان هذا الكهف صغيرًا لا يتحّمل القصف الثقيل، وكانت طائرات العدو تقصف بقنابل زنة ألف رطل، وكانت الجبال تهتزّ، وكنا قد اتفقنا على إشارة معينة وهي إطلاق ثلاث طلقات إذا شعروا بأن هناك حصارًا من العدو للمعسكر، وإذا بنا نتلقّى مكالمة هاتفية من الأخ سيف الله المغربي من المرصد الأيمن لمركز بدر، يقول أنه شاهد ما يقارب مائتي جندي من الجنود الروس يرتدون ملابس القوّات الخاصّة وهم يتسلّلون باتجاه المعسكر، فأعطى الأخ إنذار بالخطر وهي ثلاث طلقات، وقمت بإبلاغ المركز الرئيسي للمجاهدين بأن العدو يتقدم لمحاصرة المعسكر، وطلبت من الإخوة حمل الأسلحة والتّقدم وكانوا تسعة وأنا العاشر، رغم أنهم سمعوا أن المتقدمين حوالي مائتين، لم نكن عسكريين وكنا مدنيين، ولم يتردّد أحد، فتقدموا أكرمهم الله، كل واحد أخذ سلاحه وانطلقنا إلى الأمام، كنّا حريصين على أن نأخذ تبة بيننا وبين الكفار وهي تبة مرتفعة، وأثناء تحركنا كنت أوزع الإخوة، لكي لا يحدث التفاف علينا أثناء تحركنا، فتركت الأخ ذبيح وأبو سهل المصري –رحمه الله– ومعهم جهاز لا سلكي في مركز المتقدمة، ثم الأخ أبو حنفية ومعه بعض الإخوة أرسلته للميمنة، ثم تقدّمنا حتى وصلنا إلى القمة، ولم يبق إلا ثلاثة: الأخ خضر وهو من المنطقة الشرقية، والأخ مختار وهو أيضًا من المنطقة الشرقية، وأنا معهم، وانضم إلينا الأخ خالد كردي، وكنت قد طلبت منه أن يحضر لنا ماء وتمر وطلقات آر بي جي زيادة، فذهب وبقينا نحن الثلاثة، وماذا يفعل ثلاثة أمام مائتي كوماندوز؟! ولكن الله ثبّتنا نحن الثلاثة ولم نشعر بأي قلق أو خوف، سبحان الله! رغم أن عندي خبرًا مسبقًا بأن هذه القوة تريد أن تأسرني أنا شخصيًا.
توزّعنا على قمة هذه التبة بحيث كان كل منا يرى الآخر، والمسافة بين كل منا حوالي عشرة أمتار، وإذا طلبنا مددًا من الإخوة يستغرق ذلك حوالي ساعة ونصف لطول المسافة.
جاء خضر وقال لي: إن مختار سمع أصوات الروس تحت التبة وبالقرب منهم بين الأشجار يتكلمون. وكنا ننتظر المدد، ولم يصل المدد إلينا، وقد وصل الروس، فطلبت أن ننضم جميعًا ونصبح على القمة، وفي هذه اللحظة انضم إلينا خالد، ويأتي أيضًا أبو عبيدة. وكان أبو عبيدة قد رتّب مجموعة أخرى تذهب من جهة بدر وتتقدم أيضًا لملاقاة القوّات المتقدّمة.
تقدّمنا لاتجاه الميسرة، وهم يتقدمون من الميمنة، ورأيناهم أسفل من ميمنتنا على تبة تسمى تبة الزهراني؛ لأن أحمد الزهراني -رحمه الله- كان على هذه التبة عندما قتل، في هذه اللحظة وهم يتقدمون أخرجنا القنابل اليدوية، وكنت أول من أخرج القنابل اليدوية استعدادًا لرميها عليهم لأننا كنا أعلى منهم، فاقترح الأخ أبو عبيدة أن نبتعد حتى يصلوا جميعًا إلى منطقة الرمي، وفجأة يصل إلينا أربعة إخوة ولا واحد منهم يعرف حقيقة الموقف، وأثناء سيرهم باتجاهنا سمع الرّوس صوت أقدامهم على الحشائش بين الأشجار، فتوقفوا عن التّقدم وانتبهوا، فلم يتوقّعوا أن يكون في هذا المكان مجاهدين وكانوا يتوقّعون أن كل من في المأسدة جرحى نتيجة القصف الشديد لمدة خمسة أيام متوالية، عندما فوجئ الرّوس بالحركة انسحبوا ببطء دون أن نشعر بهم، لقد فوجئوا بوجودنا في هذه المنطقة المتقدّمة عن موقع المأسدة ولم يتوقعوا أبدًا وجود أحد في هذا المكان، وسمعناهم يتكلّمون باللّاسلكي، -غنمنا جهازهم اللاسلكي هذا فيما بعد-، وواضح أنهم أخبروا مدفعيّتهم بوجودنا في هذه المنطقة، وكانت مدفعيّتهم وهاوناتهم تقوم بالتّمشيط أمامهم، وكنت أحمل القنبلة اليدوية في يدي منتظرًا تقدّمهم فوجدت أنّهم بدأوا ينسحبون إلى الخلف حوالي مائتي متر، وفي هذه اللحظة انهمرت علينا قذائف الهاون كالمطر، هاونات ثقيلة، ومن شدة القصف كان من المستحيل أن تستطيع أن تتكلم كلمة أو تكمل جملة.
استمر هذا الحال من القصف الشّديد المركّز لمدة ساعة تقريبًا، إلى أن منَّ الله علينا بجزء من دقيقة بين القصف فتحرّكنا إلى أول نقطة في معسكرنا واتخذنا كمينًا لهم، ومن شدّة وكثافة القصف كانوا متأكدين أنه لا يمكن أن يكون هناك أي شخص على هذه التبة إلا قتيلًا أو جريحًا، فصعدوا إليها مطمئنين، فما إن صعدوا حتى بدأنا الضّرب عليهم، فقُتل عدد منهم يقينًا وتراجع الباقي إلى الخلف، واستمر الحال على هذا المنوال وطلبوا مساعدة الطّيران، وعاد الطّيران يقصف بعنف وشدة مع الصّواريخ، وألقت الطّائرات قذائف دخان أتعبت الإخوة نفسيًا حيث خشينا أن تكون غازات سامّة، ولكن كانت قنابل الدّخان.
واستمر القصف علينا شديدًا فازداد البأس علينا، فقرّرنا الانحياز إلى موقع خلفي من شدة القصف، انحزنا في اللّيل وبقيت مجموعة الإخوة العرب والإخوة الأفغان وسط المأسدة، ولكن من لطف الله أن وصل مدد من المجاهدين الأفغان وأطلقوا على قوة الكوماندوز الروسية 35 قذيفة آر بي جي متوالية، وكانت قوة الكوماندوز تعتقد أن المعسكر خالٍ إلا من الجرحى، أعطى ذلك انطباعًا لدى الكوماندوز بأنّه لا زالت هناك قوّة كبيرة داخل المأسدة، فتوقّفوا عن الهجوم، وبقوا مكانهم في الليل وهم يخشون الهجوم على المعسكر، رغم أنّه فعلًا لم تكن به قوة كبيرة، وهذا من فضل الله.
وفي الصّبح قسمنا الإخوة إلى مجموعتين، ووصلت المجموعة الأولى إلى المأسدة فعلًا، وكنا نتفقّد الطّريق والمواقع، والمجموعة الثانية كانت متوقفة في منتصف الطريق، فطلبنا منهم التّقدم، كان العدو مستميتًا في الهجوم على الموقع، فالموقع يعتبر مفتاحًا للمنطقة كلها، اقترح أبو عبيدة أن يذهب هو وثمانية من الإخوة ويلتفّون حول القوّة الروسيّة ويهاجمونهم من خلفهم، فقلت لأبي عبيدة: أن الميسرة خالية من يبقى فيها؟ وكنت مريضًا في تلك الفترة –والشكوى لله–، وكان يصعب عليَّ المشي على الأقدام لمسافة بسيطة، وإذ يفاجئني أبو عبيدة بأن أذهب إلى الميسرة.. فنظرت إلى العدو، لم يبق معي إلا ثلاثة من الإخوة، أخونا محمد العتيبي -رحمه الله- أبو الوليد، وأخونا ياسين الكردي، وأخونا أسد الله.
في هذه الفترة جاءنا ضيف وهو الأخ أبو الحسن المدني، وكان في ذلك اليوم ضيفًا، فذهبنا نحن الخمسة إلى جهة الميسرة، كنا محاطين بالعدو، وتحرّكنا إلى الميسرة والطلقات في بيت النار وكل واحد منا يده على زناد البندقيّة، وسرنا إلى أن وصلنا إلى النقطة المتقدمة جهة الميسرة.. حتى وزعت الإخوة ميمنة وميسرة وهم جميعًا خمسة، فكان أبو عبيدة ومعه آر بي جي في الميمنة، وكانت الميمنة رجلًا واحدًا، والميسرة كانت أخينا أسد الله ومعه جرينوف -رشاش متوسط-، وكان ياسين الكردي ظهرًا لنا، وبقيت أنا في الوسط مع أبو الحسن المدني.. فما كدت أنتهي من توزيع الإخوة وإذا بنا نُفاجأ بأنّ القوّة الروسيّة على مسافة سبعين مترًا من طرف المعسكر من الغرفة المتقدّمة، وكنا نحن خلف الغرفة، وبدأ على الفور الاشتباك معهم بالسلاح الخفيف، ووجهّنا النّيران إليهم، وطلبت من الأخ ياسين كردي ومعه أبو الوليد أن يتقدّما ويضربوا في المنطقة اليسرى حيث رأيتهم، وبدأ الردّ علينا بالأسلحة الكلاكوف، وصوت الكلاكوف مميّز عن صوت الكلاشنكوف، والكلاكوف معروف أنه تسليح القوات الخاصة الروسية، أما الكلاشنكوف فهو تسليح الجنود الأفغان الشيوعيين.
فوجئت قوة الكوماندوز بوجود مقاومة في أول أيام العيد، فأخزاهم الله، فبدأوا ينسحبون إلى الخلف، مجموعة تغطي مجموعة، فطلبت من ياسين وأبو الوليد أن يطلقوا النار خلفهم بمسافة حوالي 150 مترًا حيث توقعت أن يكونوا قد وصلوا إلى هذه النقطة، وكنت حتى هذه اللحظة أظن أن الهجوم من الميسرة ولكن عندما صعدت على قمة تبة لأتكلم باللاسلكي فوجئت بطلقة آر بي جي تأتي من اتجاه العدو ومن المحور الأوسط، ومرّت بجواري وانفجرت طلقة الآر بي جي بالقرب مني ولم يصبني منها أي شيء، وكأنّي قد رميت بحفنة من الطين بفضل الله -سبحانه وتعالى-.
نزلت بهدوء وأخبرت الإخوة أن العدو موجود في المحور الأوسط وليس على الميسرة فقط، في هذه الأثناء كنت أحاول الاتصال بالمجموعة التي تحركت للالتفاف حول الروس بقيادة أبي عبيدة، اتصلت بهم مرارًا فلم تكن هناك أية إجابة، فأصابني قلق شديد عليهم، وأوقفت الاتصال ولكن تركت الجهاز مفتوحًا، وفي هذه الأثناء بدأ العدو من جديد تمشيط المنطقة بالهاونات والصّواريخ، وبدأ قصف الطيران، وكنّا ننزل في الكهف ويظل أحدنا بالخارج ليراقب المنطقة خوفًا من تقدّم الرّوس، وكنّا نراقب رمي المدفعيّة والهاونات، فإذا كان علينا بالضّبط فكنّا ننزل في الكهف ولكن إذا ابتعد قليلًا كنا نصعد، وهذه خبرة جديدة اكتسبناها من هذه المعركة، إن من الممكن أن يتقدم العدو تحت القصف؛ لأنه يتصل بالمدفعية ويستطيع نقل الضرب أمامه إلى مسافة 200 متر أثناء قصف المدفعية والهاونات.
ظللت في قلق شديد على الإخوة الذين ذهبوا للالتفاف وإذا بصوت الجهاز يأتي كالماء البارد علينا حيث نادى الأخ أبو عبيدة وقال: “أبو القعقاع، هل تسمعني؟”، فأسرعت نحو الجهاز وقلت: نعم أسمعك جيدًا، فقال أبو عبيدة: الله أكبر، الله أكبر، أبشرّك بأننا قتلنا الكوماندوز الروس وهم الآن صرعى تحت أقدامنا، الله أكبر…
وانتشر التكبير إلى أن وصل الإخوة جميعًا، وانتشر الخبر وسررنا سرورًا عظيمًا بفضل الله، وكان الإخوة قد فاجأوا الروس من الخلف أي من المنطقة التي كان لا يمكن أن يتخيلوا أن يأتي أحد منها، ولقد استطاع أخونا محمد العزمان المعروف بمختار أن يقتل ستة منهم دفعة واحدة في ثانية واحدة، وبدأ اشتباك بالرشاشات والقنابل اليدوية وأدّى ذلك إلى انهيار معنويات الكوماندوز، فكان عدد الإخوة تسعة أشخاص فقط في مواجهة مائتي جندي! لكن مع الرّعب لم يستطيعوا تمييز القوة، ومع وجود الأشجار والغابات لم يستطيعوا أن يحددّوا عدد المهاجمين فأصابهم ذعر شديد، وقُتل في هذا الهجوم المفاجئ من الكوماندوز حوالي خمسة وثلاثين جنديًا وضابطًا، وفرّ الباقي إلى مسافة بعيدة حوالي ثلاثة كيلو مترات، وارتفعت معنويات المجاهدين ليس فقط في منطقتنا ولكن في كل أنحاء أفغانستان، وكان ذلك فضل من الله على الإخوة..
كانت معارك (جلال آباد) هي أول وأكبر معركة يخوضها العرب، وكان الاختلاف بين معارك (جلال آباد) والمعارك الأخرى في أفغانستان في أنّ المعارك السّابقة كانت على مراكز وقلاع للعدو أما (جلال آباد) فهي إحدى المدن الرئيسية الكبرى في أفغانستان، بل هي أقرب مدينة إلى العاصمة (كابول)، ولم يكن هناك خيار في معارك (جلال آباد)، فبعد سقوط عديد من المواقع حول المدينة وسقوط حصونهم في يد المجاهدين – حتى وصلت قوات المجاهدين الأفغان إلى مطار جلال–، استمات العدو في الدفاع عن المدينة، وأمام ذلك إذا تركت كل هذا ورجعت فإنك ستخسر كل المعركة، ولهذا بدأت معركة طويلة استمرت بعنف شديد لعدة أشهر متواصلة أخذ فيها الإخوة خبرات كبيرة لم تتيسر لهم من قبل في أي معارك سابقة.
كان عندنا حول (جلال آباد) 18 مركزًا للعرب (مأسدة الأنصار)، وكان من الصعب أن تدير معركة طويلة لعدة أشهر وأن تكون القوة في حالة “شدّ” مستمرة، فأنت محتاج لإمداد وتموين مستمر، ومحتاج لذخائر في الوقت المناسب، وصواريخ لراجمات الصواريخ، كذلك تم تكوين أجهزة لإخلاء الجرحى وحمل القتلى، نرجو من الله أن يكونوا شهداء..
وكذلك تواجد إخوة في المرصد بصفة مستمرة لرصد أي حركة من العدو لتوجيه النيران إليها، وازدادت خبرات الإخوة في استخدام الصواريخ والهاونات والمدفعية، وقد استخدموا الخرائط في القصف حيث يتم تحديد مسافة واتّجاه الهدف، والقصف عليه بواسطة “الإحداثيات” حسب الاصطلاح العسكري، وأمام هذه التجربة الجديدة ظهرت معادن الإخوة العرب وثبتوا وصبروا، وهذا أمر ليس بالسهل، وهو أن تبقى مشدودًا طيلة هذه الأشهر وفي قتال متواصل.
وقد كان الإخوة بفضل من الله أقدر المجموعات على سرعة الحركة؛ وذلك لتوفر وسائل نقل وأسلحة وذخائر، وزّعنا السيارات على القومندانات، كذلك وزّعنا مجموعات قتال فكانت هناك مجموعة اقتحام مع القومندان خالد وهو من أشهر القادة الأفغان في (جلال آباد)، وقد فتحت كثير من المواقع على يد هذا القائد، وكانت مجموعة الإخوة العرب من أبرز المجموعات، وفي بعض العمليات كان معظم مجموعة الاقتحام من الشّباب العرب وكان هو الأفغاني الوحيد؛ لأن معظم المجاهدين التابعين له قد استشهدوا في معارك سابقة.
كذلك انضمت مجموعة من المجاهدين العرب إلى القومندان سازنور، وقد فتح الله -سبحانه وتعالى- على أيديهم بمشاركة الشباب العربي مراكز عديدة منها مجموعة تباب (فركند) والتي أطلق عليها (مركز سراقة ومركز صخري).
وقد غنم الإخوة العرب مدافع الميدان الثقيلة بعيدة المدى (D.C)، وكذلك بعض الدّبابات والمدرّعات، وقد تم تدريب الإخوة على جميع هذه الأسلحة ومنها الدّبابات، وقد استخدم الإخوة العرب الدّبابات في الهجوم الأخير الذي قامت به القوّات الشّيوعيّة ضد مواقع العرب، وغنموا في هذه المعارك دبابات جديدة.
والهـجـوم على مـواقـع العـرب في جـلال آبـاد كان في يوم 10 ذي الحجة سنة 1409هـ -الموافق 3 يوليو سنة 1989م، حيث قام العدو بهجوم ضخم على مواقعنا وكان هدف هذا الهجوم هو تدمير مواقع الإخوة العرب وحصارهم وأسرهم أحياء، وكان سبب ذلك أن الإخوة العرب كانوا قد توفر لهم كميّات كبيرة من الذّخائر اشتريناها من أسواق السّلاح في باكستان، لقد اشترينا حوالي ثلاثين شاحنة وقمنا بتخزينها، ولهذا تيسّر القيام بقصف شديد ومنظّم ضد تجمعات الجيش الأفغانيّ حول (جلال آباد)، ففي أحد الأيام وصلت لنا أخبار عن وجود تجمّعات كبيرة لقوات العدو، فقمنا بقصف هذه التجمعات لمدة ثلاثة أيام على التوالي، قُتل فيها 70 رجلًا من الهنود؛ وكانت حكومة (كابول) قد أحضرت قوّات هنديّة لتسدّ النّقص الكبير في الجيش الأفغاني الحكومي، وبعد خروج الجيش الروسي، هذا مع العلم بوجود حوالي عشرين ألف روسي في أفغانستان حتى بعد الانسحاب.
وحدث نقص لدى قوات المجاهدين الأفغان في الذّخائر؛ لهذا كانت الذخيرة التي لدينا وسيلة للضغط، وقمنا بقصف مستمر طوال ثلاثة أسابيع على النقاط الحساسة للعدو، حتى شعرت القوات الحكومية أن مواقع العرب مصدر إزعاج شديد لهم، فاستمرّ الطّيران في ضرب مواقع مدافع الميدان (D.C)، وضرب راجمات الصّواريخ التي معنا، وكانتا راجمتين، وعندما لم ينجح في إسكات مدفعيتنا بضرب الطيران والصواريخ قام بقصف مواقعنا بالصواريخ سكود، ومن المعروف أن صواريخ سكود صواريخ متوسطة المدى تطلق على المدن، ولكنها استُخدمت ضدّنا وضدّ مواقع راجمات الصّواريخ، وعندما فشلوا في ذلك كلفوا قوة ضخمة بالقيام بهجوم كبير على مواقعنا وتولى قيادة هذه القوة رجل اسمه رحيمي ونائبه قائد اسمه إسماعيل، وتعّهدوا لنجيب بأن يصلوا بهجومهم إلى منطقة (طورخم) وهي نقطة على الحدود بين باكستان وأفغانستان، والمسافة بينها وبين (جلال آباد) حوالي تسعون كيلو مترًا وتقع على الطريق البريّ الرّئيسي الذي يربط بين (كابول – جلال آباد – بيشاور في باكستان).
وبدأ الهجوم يوم 3 يوليو وكانت معركة شديدة، وكانت أخطر معركة خاضها الشباب العربي بعد معركة (جاجي) رمضان سنة 1407، إلا أنها أصعب لأن المناطق المحيطة (بجلال آباد) مناطق سهول، والسهول هي أرض المدرّعات، بينما المناطق الجبليّة لا تقاتل فيها المدرعات بكفاءة.
بدأ الهجوم بإرسال قوة تشغل ميسرتنا، فاتصلت بنا قوة الميسرة بعد الفجر، وقالت أن هناك دبابات تتقدم للهجوم علينا، أرسلوا لنا بعض المدد، فأرسلنا لهم سيارتين وفيها مدد من السّلاح والرّجال، واتصلت بنا القوة الموجودة بالميمنة وقالت أن هناك مجموعة أخرى من الدّبابات تتقدم نحونا، وكانت الميمنة قرب المطار (مطار جلال آباد)، والمسافة بين مركز القيادة والميمنة حوالي خمسة كيلو مترات وطلبوا مددًا، وطلبوا قصف القوّات المتقدّمة بالصّواريخ فحوّلنا راجمة صواريخ في اتجاه الميمنة، وراجمة صواريخ تجاه الميسرة، وكان بين الميمنة والميسرة بعض النّقاط فاتّصلوا بنا وطلبوا المدد، فأرسلنا إليهم بعض الأسلحة والقوة الاحتياطيّة التي كانت في المركز الرئيسيّ، وكان كل ذلك خدعة من العدو، حتى يهجم على مركز القيادة الرئيسي..
فتقدمت إلينا حوالي كتيبة مدرّعة -27 دبابة-، وكان الطّيران في هذه الفترة يقصف المنطقة قصفًا شديدًا، وبعد صلاة الفجر كانوا قد أطلقوا سبعة صواريخ سكود، وكان اختيارهم ليوم الهجوم ذكيًا لأنّه كان أول أيام عيد الأضحى وهم يعرفون طبيعة المجاهد الأفغاني حيث أنه يغيب عن أهله طول العام، ولهذا يحرص على قضاء العيد مع أهله.
تقدم العدوّ نحونا، وكنا في المعسكر حوالي ثلاثين أخًا أو أقلّ، وهجمت علينا 27 دبابة، فكان موقفًا صعبًا جدًا، وكنا من قبل أرسلنا القوة الاحتياطية إلى الميمنة والميسرة، والغريب أن الدّبابة الوحيدة التي كانت معنا قد نقلناها إلى قرب الطريق الرئيسي خوفًا من أن يتقدم العدوّ من الطّريق الرّئيسي، أما الدّبابة الثانية -وكانت 62- كنا قد أرسلناها إلى أقصى الميسرة، فتقدّموا نحونا وما كان في أيدي القوة الباقية في مركز القيادة مدافع آر بي جي، حيث أصيب أحد رماة الآر بي جي ولم يبق في النهاية سوى مدفع 75 ملم مضاد للدبابات، فأكرمه الله -وأرجو أن يتقبله شهيدًا-، أخذ المدفع شفيق ونصبه وحده -طاقم المدفع في الحرب خمسة أفراد- وقام شفيق بإطلاق النيران من المدفع 75 ملم وحده! وإطلاق النار من المدفع أصعب من الأسلحة الأخرى المضادة للدبابات الصاروخية، فلابد من وضع القذيفة في بيت النار وإطلاقها، ثم تفريغ طرف القذيفة الفارغ، ثم إعادة التّعبئة، أمّا الأسلحة المضادّة للدبّابات الصّاروخيّة فلا يوجد ظرف فارغ.
لقد كان واضحًا من إصرار العدوّ على محاصرة الموقع وتطويقه رغبتهم في الإيقاع بالمجاهدين العرب أسرى، ولم تكن هناك مقاومة فعّالة بالأسلحة المضادّة للدّبابات الآر بي جي، فمدى الآر بي جي لا يزيد عن 300 متر، ولهذا كانت تطلق الدّبابات نيرانها علينا وهي مطمئنة على مسافة كبيرة، ولهذا قلت للإخوة لا تطلقوا الآر بي جي إلا بعد وصول الدّبابات إلى مسافة 300 متر، وعند وصول الدّبابات لهذه المسافة أطلق الإخوة القذائف، إلا أنها لم تكن مؤثرة أمام 27 دبابة متقدّمة، وقد أصيب أحد رماة الآر بي جي من لغم كان مزروعًا من قبل، كانت الدبابات لا زالت تتقدّم نحونا، وفعلًا وصلت إلى أول تبة من تباب المركز الرئيسي وهي تبة صخرية، وكانت هذه التبة هي أول موقع لنا باتجاه العدو، بدأ شفيق –رحمه الله– يضرب عليهم بالمدفع 75 ملم، وكانت الدبابات على مسافة 400 متر فقط منّا، وكانت تضرب علينا بمدفعيتها الأساسية بالإضافة إلى الرّشاشّات، كانوا يمشّطون المنطقة تمشيطًا شديدًا بالنيران.
توزّع الإخوة العرب عندما تقدمت بعض المدرعات في الوادي القريب الذي يفصل بين التبتين في موقعنا، ونزل الجنود من المدرعات وبدأوا في الصعود إلينا، فقمنا بإطلاق نيران مدفع رشاش ثقيل جلاينوف، واستمر الأمر على هذا حوالي أربع ساعات، وهي مدة خيالية أمام 27 دبابة ونحن لا نملك إلا مدفعًا واحدًا يستخدمه فرد واحد!
ورغم هذا أنزل الله في قلوبهم الرّعب، وأمام ذلك قرّرنا التّحرُّف للقتال، والنّزول من هذا الموقع إلى منطقة خلفية قريبة كثيرة الأشجار والتباب، وهي نقطة ضعف للدبابات، وطلبنا من جميع النقاط أن يتحركوا إلى هذه المنطقة وهي جهة (ثمر خيل)، وتم إبلاغ المجاهدين الأفغان بالوضع، تقدم العدو إلى موقعنا لاحتلاله، وبفضل من الله لم يكن به أحد، فقد استشهد شفيق وهو على مدفعه بنفس الهيئة التي تمنّاها، وعلى نفس الصّفة، ونرجو من الله -سبحانه وتعالى- أن يقبله من الشهداء، لقد كان شفيق –رحمه الله– أحد الثّلاثة الذين منّ الله عليهم بتأسيس المأسدة، لقد تأثّرت جدًا باستشهاد شفيق.
عندما انتقلنا إلى المنطقة الجديدة تقدّم العدو بجرأة، وتمّ صدّ الهجوم طيلة هذه الأيّام، وكذلك قاوم الإخوة الذين كانوا على الطريق الرئيسي هذا إلى أن جاء اليوم العاشر وكان يومًا حارًا جدًا، درجة الحرارة وصلت فيه إلى 54 درجة مئوية في منطقة (جلال آباد)، عندما تقدّموا قمنا بهجوم معاكس قبل المغرب بساعة، واستطاع أخونا يعقوب أن يدمر دبابة بمدفع 82 ملم، وتم تدمير دبابة أخرى حيث أطلق عليها أحد المجاهدين صاروخ ميلان واستمرت الاشتباكات إلى منتصف الليل.
قام الإخوة بعد الفجر بتفقّد مواقع العدو، فإذا بهم يجدون ثماني دبّابات سليمة تركها العدوّ وهرب، فصعد إليها أخونا صالح الغامديّ المعروف باسم حمزة، ومعه أمير الفتح وهو مصريّ، وكانوا مدرّبين من قبل على الدّبابات، وتبادلوا إطلاق النار مع العدو، واستطاعوا أن يحصلوا على دبابة من العدو بعد أن تبادلوا النيران وقادها الأخ حمزة إلى موقع (الزهراني).
كانت خسائر العدو كبيرة، فقد تم تدمير 42 دبابة بين غنائم ومدمر، كان منها أكثر من 20 دبابة غنائم، كان نصيب العربي منها خمس دبابات غنيمة منها دبابتان ت 62، وكانت هذه المعارك نهاية لسلسة معارك (جلال آباد)، والتي سقط فيها من الشهداء العرب ما يفوق عدد الذين استشهدوا طوال سنوات الحرب في أفغانستان، نسأل الله أن يتقبلهم شهداء..