فجار لكنهم يجاهدون

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحابته أهلِ العزائم الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
إلى إخواني الكرام أمراء المجاهدين حفظهم الله وسددهم /
[إلى الأخ المكرم : ……………………………..]
من أخيكم عطية الله عفا الله عنه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهُ تعالى المرجوّ أن تكونوا بخيرِ حالٍ، وفي ازديادٍ من التوفيق للبرّ والتزوّد من التقوى.. وبعد :
قال الله تعالى : {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر/1-3]
وقال تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة/2]
وقال عز وجل : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة/68]
أذكر نفسي وأخي بما مَنَّ الله به علينا أن استعملنا سبحانه وتعالى في طاعته وجعلنا وإياكم من المجاهدين في سبيله القائمين بنصر دينه وإعلاء كلمته في هذا الوقت الذي غلبتْ فيه الدنيا وفتنتُها على أكثر الخلق، وغلبتْ الأهواء وعبادة الطواغيت الحيّة والميّتة ، فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة، ونسأله تعالى أن يوزعنا شكرها ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ثم أذكرُّ بما ابتلانا الله وإياكم به من هذا التكليف، وأنها أمانة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها يومَ القيامة خزيٌ وندامة، إلا لمن أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها، ولا والله لا يستطيع عبدٌ أن يقوم بها إلا أن يعينه الله ويوفقه فيهديَه رشده ويسدده ويرزقه تقواه وخشيته في الغيب والشهادة ويرزقه اليقين والقوة، ويعينه على اتخاذ هذه الولاية والمسؤولية عبادة له سبحانه وتعالى وقُربةً، وطريقُ ذلك الاجتهاد في تحقيق العبودية له سبحانه والافتقار إليه والانكسار بين يديه والتضرّع له والاستقامة على طاعته ظاهراً وباطناً قدر الطاقة، مع التواضع وهضم النفس واتهامها والخوف من مساوئها، ومما يعين على ذلك كثرة الذكر والدعاء وقيام الليل وصيام النفل ومجالسة الصالحين والعلماء الطيبين وتقريبهم واتخاذ أهل الآخرة بطانةً وأصحاباً وأعواناً، ومجافاة أهل الدنيا والفخر والرياء والخيلاء وأهل الجفاء وقليلي الديانة، والبُعدِ عنهم.
أخي الكريم، أكتب لكم هذه الأسطر، سعياً في القيام بما أمرنا الله به من التناصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتعاون على البر والتقوى، والنصح للمسلمين وأولي أمرهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهادِ في سبيل الله تعالى، وقياماً بزكاة العلم وما أنعم الله به من المعرفة والتجربة للأمور.
ولا شك أننا جميعاً في سفينة واحدةٍ ، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه والترمذي في سننه عن النعمان ابن بشير رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “مَثَلُ القائمِ على حدود الله والواقعِ فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصابَ بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَنْ فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَنْ فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونجوا جميعا”.
ولا ريب أن مسيرةَ أمتنا الجهادية تحتاجُ منا دائماً إلى بذل الجهود في القيام على ترشيدها وتسديدها، فإن سبُلَ الانحراف كثيرةٌ، وليس أحدٌ بمنجاةٍ منها إلا مَن واظَبَ على اللياذ بالربّ الجليل عز وجل، والاعتصام به ظاهراً وباطناً وسرّا وإعلانا، قال الله تعالى : {ومَن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم} ، فلا عصمة إلا بالله وحده، ولا ينجو من الفتن إلا مَن اعتصم بالله و{لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مَن رحم}، ولا يفلحُ إلا مَن اعتصم بالله وكان دائماً في صفّ الله وفي وليّاً له عز وجل، قائماً بأمره محققاً العبودية له سبحانه وتعالى.
وهذا هو الذي ينتصِرُ حقاً، وهو الذي يوفّق ويُسدَّد وتكون له العاقبة، وهو الذي لا يخشى الخسران، والذي يرجو تجارةً لن تبور.
قال الله تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[آل عمران/126]، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[الأنفال/10] وقال تعالى : {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود/88] وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر/29، 30].

أخي العزيز /
لنتفكّر دائماً في شيءٍ مهم : ماذا استفدنا إذا انتصرنا على الأعداء وقهرناهم ودمّرناهم وانتقمنا منهم… وأقمنا الدولة التي نريد (دولة الإسلام) وكنا نحن المنتصرين في هذه الحرب وهذا الصراع، لكن كان الله ساخطاً علينا بسبب معاصينا وذنوبنا الظاهرة والباطنة، ثم كان عاقبتنا في الآخرة أن ندخل النار والعياذ بالله؟!!
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : “إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر”.؟
فالخلاصة المهمة والوصية والنصيحة الدائمة الواجبة هي : أن نكون مستقيمين على دين الله وشريعته وأحكامه ظاهراً وباطناً، في أنفسنا؛ سرائرنا وعلانياتنا، ثم في مَن تحت ولايتنا من أهلٍ وأتباعٍ ورعايا وشؤونٍ، قائمين فيهم جميعاً بأمر الله؛ نعطي لله ونمنع لله، ونحب لله ونبغض في الله، ونوالي ونقرّب لله ونعادي ونُبعِد لله، ونرضى لله ونغضبُ لله عز وجل.
أخي العزيز / أمور مهمةٌ توشك أن تكون واجباتٍ علينا :
منها : أنه لابد لنا جميعاً أن نكثّف من نشر الفقه والعلم الصحيح النافع والوعي والثقافة الإسلامية في أتباعنا وأفراد جماعاتنا، بإنشاء المدارس وإقامة الدورات التعليمية الشرعية وحلقات العلم، وبإرسال الطلبة للتعليم ليكونوا علماء في المستقبل، وبإقامة الدروس في مساجدنا ومصلياتنا ومجتمعاتنا، وبنشر الكتب والاهتمام بالقراءة وتحصيل العلم، وبأن نقرّب أهل العلم الصالحين الأمناء ونقدّمهم.
فهذا على وجه العموم، فإن العلم النافع وكثرة العلماء والمتعلمين، هو صِمامُ أمانٍ للجماعة وللأمة.
ثم على سبيل الخصوص لنا نحن المجاهدين فإن من أهم ما يتعيّن علينا من العلم أن نعلَمَه وننشره في أتباعنا وأفراد جماعاتنا المجاهدين هو : العلمُ بأحكام الجهاد (القتال والقتل) : مَن يُباح لنا قتالُهُ وقتله ومَن لا يباحُ لنا، وما يُباحُ لنا أخذه من المالِ وما لا يباحُ، وما يجوز من التصرفات وما لا يجوز في جهادِنا كله وفي علاقاتنا.
وهنالك أصولٌ عامة مجملةٌ ينبغي للمجاهدين أن يتمسكوا بها، ثم تكون التفاصيل عند علمائهم، فإن عوامّ المجاهدين لا يمكن أن يحصّلوا كل ولا أكثر التفاصيل.
ولا شك أن المسيرة الجهادية كلما طالتْ دخل فيها مَن ليسَ أصيلاً في الجهادِ، وصارتْ أكثر احتياجاً إلى الترشيد والتصحيح والمحاسبة والمراقبة، وفي هذه المرحلة التي نحن فيها، فإننا نلاحظ كثرة الأخطاء والتجاوزات من المجاهدين، بسبب الجهلِ أو بسبب دخول أقوامٍ وفئاتٍ من الناس في صفوف المجاهدين، ممّن لم يتربَّ التربية الإسلامية الصحيحة، وممن فيهم جاهلية وفسادُ أخلاق ورقةُ دينٍ، وبتعبيرِ أهل العلم فإنهم فجّارٌ لكنهم يجاهدون!! فلا غروَ أننا صرنا نخاف على الحركة الجهادية من الانحراف والفساد والهلكة، نسأل الله السلامة والعافية، فلذلك لابد أن نركز وندخل في التفاصيل فنقول : إن من جزئيات العلم الواجب علينا معرفتها ونشرها بين المجاهدين وتحويلها إلى فقه حقيقي لديهم وبصيرة جازمة والتزامٍ كامل : العلمُ بعِظم حرمة دماء المسلمين، وتعظيم أمرها وتفخيمه في النفوس، فإن قتل النفس المؤمنة هو من أكبر الكبائر، ولعله –بحسب ما تعطيه أدلة الشريعة- أكبر الكبائر بعد الكفر والشرك بالله تعالى، فإن الوعيد عليها في الكتاب والسنة من أعظم الوعيد، ومن ذلك أن المتورّط فيها لا يكاد يفلح كما قال النبي صلى الله عليه وسم : “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً” رواه البخاري.
ولا يُقال إن كل المجاهدين عارفين بذلك، فإن الواقع لا يصدقه، ولاسيما في القبائل وأغلب بلاد أفغانستان وقبائل باكستان، فإن القبائل تغلب عليهم ثقافة القتل والانتقام والتهاون في الدماء وسهولة الإقدام عليها عند التخاصم وحصول الإحن، ولا يُغلّب أمرَ الله ويلتزم به حقاً وصدقاً إلا أهلُ الديانة المتينة والتحقيق للتوحيد، وهم الأقلون.َ
والخلاصة أنه يجب علينا أن ننشر هذا العلم (العلم بتعظيم حرمة دم المسلم، وتعظيم حق المسلم دمه وماله وعرضه) بشكلٍ عمليّ في صفوف المجاهدين، بكل وسائل نشر العلم، ويجب علينا كأمراء ومسؤولين أن نأخذ على أيدي الأتباع ونحاسبهم ونقيم الشريعة على أنفسنا، بالالتزام بأحكام الله والاستقامة على طاعته، وبتطبيق العقوبات بعد ذلك لمن خالَفَ.
وإن لم نفعل ذلك وتهاونّا وركنّا إلى مواضعاتنا الاجتماعية وجامل بعضُنا بعضاً وضعُفَ الأمراءُ عن محاسبةِ الأتباع وأمرهم ونهيهم وحملهم على طاعة الله والاستقامة على الشريعة، فإننا فاشلون مفرّطون، ومصيرنا إلى الهلاك، والعياذ بالله.. اللهم إنا نعوذ بك من سخطك.. وإنني أشهدكم أنني وقيادتي وإخواني نبرأ من كل مخالفةٍ للشريعةِ ، وأننا نحب ونوالي ونقرّب ونرضى مَن يكون وليّاً لله تعالى مطيعاً له قانتاً أوّاهاً منيباً شكّاراً ذكّاراً، ونبغضُ ونُباعِد ونجانِبُ مَن هو بضدّ ذلك مهما كان.

ومنها مما هو قريبٌ من ذلك : أن نعتني بشرح فقه العلميات الاستشهادية والعمليات التي يقع فيها ما يسميه الفقهاء بالتترس، وحدود ذلك، وضوابطه ، نشرحُهُ لأفرادنا، ونشرحُهُ على وجه الخصوص لصنفين من أفرادنا : للقيادات العسكرية التنفيذية (المسؤولين عن التخطيط والإجراء للعمليات) وللمنفّذين من المجاهدين وهم “الفدائيون” (الاستشهاديون) ، فقد رأينا في بعضِ المرات تهاوناً من الفدائيين وجهلاً وقلة مبالاة بالناس، وقد يكون الفدائيّ شاباً صغيراً لم يتلق شيئا ذا بالٍ من العلم والمعرفة والتربية الدينية، والأخطر أنه ربما يكون أحياناً قد لُقّنَ –والعياذ بالله- شيئا من الانحراف الدينيّ، فيتلقاه وينطلق به، وذلك كأنْ يلقّنه بعضُ الناس من المجاهدين أن هؤلاء الناس (العوامّ) في الشارعِ منافقون ساكتون عن الحق ونصرة المجاهدين وأنهم مع “الطاغوت” ومع المرتدين، راضون بهم…إلخ!! وعليه فلا تبالِ بمَن يُقتَل منهم، وما عليك من دمائهم من شيء!! ولا شك أن هذا بإطلاقٍ خطأ عظيم وضلالٌ مبينٌ وسبيلُ فسادٍ عريض.
فإن العوامَّ في الشوارع وفي الأسواق وعموم البلاد الإسلامية التي يحكمها المرتدون، محكومٌ بإسلامهم في الجملة والأصل، ثم هم أخلاطٌ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. ونعم قد يُوجد في خلالهم من هو كافرٌ مرتدٌ فذلك حيثُ عرِف بعينه فهو حلال الدم، ولكن في الجملة فإن العوامَّ في بلادنا وعامة بلاد المسلمين محكومٌ بإسلامهم قطعاً، بأدلة الكتاب السنة والبيّنة والفقه المعروف في مذاهب المسلمين، ومجالُ تفصيل هذه المسألة مواضعُهُا من الكتب والأبحاث، ومَن قال غير ذلك فقد غلا وضلَّ وخالَفَ أهل العلم قاطبةً.
فالعوامّ مسلمون على ما هنالك من فسقٍ أو فجورٍ أو تقصيرٍ أو قعودٍ عن جهادٍ أو غير ذلك، فمن أشرع فيهم القتل عمداً وقصداً غيرَ مبالٍ بهم بزعم أنهم كذا وكذا مما تقدم حكايته، فهو ضالٌّ خارجٌ عن حدود العلم والفقه، مرتكبٌ لحرامٍ، ومتعرّضٌ لسخط الله وغضبه وعقابه، وقمينٌ أن يسلّط الله عليه الفشل ويمكّن منه الأعداءَ.!
أخي الكريم، إن كان شيءٌ من ذلك تطرّق إلى بعض المجاهدين ممن يسمعون لكم فأرجوكم أن تتداركوه بالمعالجة العلمية الشرعية، فإن هذا واجبٌ مضيّقٌ لابد من القيام به فوراً، وأن تأخذوا على أيديهم بأسرع وقتٍ، وإلا فإني أنذرُكم مغبةَ ذلك وسوءَ عاقبته، فبادروا بالإصلاح فوراً، واجعلوه هو الأولوية لكم، يصلْح الله شأنكم وينصرْكم {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّتْ أقدامكم}.
ثم إنه بمقاييس الدين والدنيا، كيف ينجح مشروعٌ سياسيّ ثوريٌّ تغييريٌّ لا يعمَلُ أصحابه وأولو أمرِهِ على كسبِ الناس (العوامّ، والجمهورِ ، والشعبِ) واستمالتهم واصطناعهم واحتوائهم، وكيف يرجون لمشروعهم وثورتهم أن تنجح إذا كانتِ الناسُ تكرههم وتنفضُّ كل يومٍ عنهم، ولسانُ حالهم : “وجدناهم اخبُرْ تَقْلُهْ”، كيف ينجح مشروعُ إنسانٍ يعتقدُ الناسُ فيه ويقولون له : {إن تريد إلا أن تكون جبّاراً في الأرضِ وما تريد أن تكون من المصلحين} إذا كثُرَ قائلو ذلك وفشا هذا الاعتقاد في الناس، وصدّقتْه أفعالُ هذا الإنسان، ولم يُرَ منه إقلاعٌ عن خطإ ولا شفقةٌ ولا رحمةٌ ولا إحسانٌ.!
كيف وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمُ الخلق على الله يقول الله عز وجل له : {ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك}.
لا غروَ أنه على قيادات المجاهدين أن يعلّموا أتباعهم ويربّوهم -وقبل ذلك أن يكونوا هم متصفين بهذا- يربّوهم على أن يكونوا مشفقين على الناس رحماءَ بهم ميسّرين عليهم، صابرين على نقصهم وأخطائهم وما لديهم من خلل، ساعين في إصلاحهم بالهوينى والرفق وبالتدريج، غيرَ مسارعين في عقوبتهم، بلهَ القتلَ والانتقامَ.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يبعث بعثاً أو يؤمّر أميراً على سريّةٍ أو جيش إلا كان من وصيته –كما جاء ذلك في أحاديث متكاثرة- : “يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا”، فهل تدبّرنا ذلك وعرفنا فقهه وعملنا به؟!
ومنها : أنه يجب علينا صيانة المجاهدين من أن يتطرق إليهم الغلوّ في الدين، وخاصة في مسألة الحكم على الناس بالكفر (مسألة التكفير) فإن الغلوّ فيها مصيبةٌ عظيمة، وهي من أخبث الأدواء التي يمكن أن يتعرض لها المجاهدون ويُبتَلوا بها، وفي التجارب من ذلك شيءٌ يذكر للمعتبرين. والغلوّ بعامةٍ هو داءٌ فتاكٌ ومرض خطيرٌ في كل الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : “إياكم والغلوَّ في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين” رواه أحمد والنسائي وغيرهما. وقال : “هلك المتنطعون” قالها ثلاثاً. رواه مسلم. فهذا في الغلوّ في الدين مطلقاً، فإذا كان الغلوّ وقعَ في “الحكم بتكفير المسلمين” والتجرؤ على ذلك والاستهانة بخطره، كان أشدَّ فتكاً وأعظم ضرراً وإهلاكاً. أعاذنا الله وإياكم وجميع إخواننا منه.
وقد بدأنا نسمع من بعض المجاهدين مَن يتجرأ على تكفير مجاهدين آخرين أو تكفير العوامّ كما تقدم، فعلينا أن نحترز من ذلك جداً ونسعى بكل قوة في تربية المجاهدين على المنهج الصحيح في ذلك، وإني قد جربتُ الأمور، وأدلكم على جُمَلةٍ من ذلك نافعة بإذن الله، وهي :
تربية إخواننا على التركيز على عيوبِ النفس والانشغال بإصلاحها وتزكية النفسِ، والبُعد عن النظر في عيوب الناس، وتربيتهم على طلب العافية وطلب السلامة في الدين، وتعظيم خطر الفتيا في الدين بغير علمٍ، ومن أشدّها الإقدامُ على تكفير مسلمٍ بغير علمٍ مؤهِّلٍ لذلك وبدون موجِبٍ، وأن يكلوا ذلك إلى العلماء الفقهاء المتأهّلين المعروفين بحُسن الديانة والورع، فيُمنَع العوامّ (غير العلماء) من الخوض في هذه المسائل مطلقاً، وعلى الأمراء أن يغضبوا إذا سمعوا عوامّ المجاهدين يتكلمون في تكفير فلان أو فلانٍ من الناس، ممن تكفيرُهم اجتهاديٌّ، ويمنعوهم من الكلام فيه.
فإذا فعلنا ذلك فأبشروا بالنجاح إن شاء الله.
لقنوا المجاهدين معنى الحديث المرويّ عن النبي صلى الله عليه وسلم : “طوبى لمن شغله عيبُهُ عن عيوب الناس”. قال ابن حجر في بلوغ المرام : أخرجه البزار بسندٍ حسن. وقوله صلى الله عليه وسلم : “المسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده” رواه البخاري ومسلمٌ. وقوله : “المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله” “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” وحديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال : غزوتُ مع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم غزوةَ كذا وكذا فضيق الناسُ المنازلَ وقطعوا الطريقَ، فبعث نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في الناس أنَّ مَنْ ضيّقَ منزلاً أو قَطَعَ طريقا فلا جهادَ له. رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في بعض المصادر “…أو أذى مؤمناً فلا جهادَ له”.

ومنها : أنه يجب على قيادات المجاهدين أن يعملوا جاهدين جادّين مثابرين على صيانةِ أنفسهم وأتباعهم من سائر الآفات والأمراض التي تعرِض لهم، وهي كثيرةٌ ومنها : العُجبُ والغرورُ والكبرُ والتعالي على الخلق وظلمهم. فإن هذه من الأمراض المفسدة للإيمان والموجبة للهلاك والعياذ بالله.
والسبب أن المجاهد إن لم يكن متدرّعاً بفقه النفس والمعارف النافعة فإنه مع طول الطريق ووحشته ومع ما يمارسُهُ ويُعالجُهُ من أمور القوة والغلبةِ والظهور، ومع ما قد يلاقيه من خذلان الناسِ له ممن يُفتَرَضُ أن يعينوه من أبناء الأمة، ومع ما يتعرض له من كثرةِ الخصومات والعداوات المناوأة بسبب سيره في طريق الجهادِ فإنه يتطرّق إليه هذه الأمراضُ ويسهّل الشيطانُ وُلوجَها عليه بأنواع الحيلِ والجدلِ فيتلقّفها ويجدِ فيها بعض السلوى عن غُربته وقلة حيلته، فيقع في شرٍّ عظيم، فينجح الشيطان في أن يفسدَ عليه جهادَه، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قعَدَ لابن آدم في طريقه إلى الله أيما قعودٍ يحاول أن يفسِد عليه دينه وهجرته وجهادَه، فقال صلى الله عليه وسلم : “إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرُقِهِ؛ فقعد له بطريق الإسلام فقال تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس فى الطِّوَلِ، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال تجاهد فهو جَهْد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة” رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
والسببُ كما قلتُ قلة الفقه في الدين، فالعلاجُ إذن هو الفقه في الدين والوعي والتربية الإسلامية الصحيحة، والاعتناءُ بالتزكية، ثم تولية الأمناء الصالحين من الأمراء أهل الورع واعتدال الأمزجة واعتدال الأخلاق، أهل الصبر والسماحة والبذل، الباذلين لله لا يرجون من غيره جزاءً ولا شكوراً، المشفقين على أقوامهم والراحمين للخلق الذين يرحمهم الرحمن.
قال الله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات/15-18]
ففي هذه الآيات الكريمات حصر الله تعالى صفة الإيمان في الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يحصل منهم ارتيابٌ وجاهدوا ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى وحدَه، ثم لامَ ووبّخَ المتحدَّثَ عنهم في هذه الآيات (وهم جماعةٌ من الأعراب) على تبجّحهم في دعواهم وإخبارهم بأنهم آمنوا في حين أنهم لم يتصفوا بالصفات المتقدمة، وعابَ عليهم أنهم يمنّون على الرسول المؤمنين بإسلامهم، وأمرَ رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن ينهاهم عن المنّ بإسلامهم، وأخبرهم أن المنة لله تعالى وحده.
وفي عَيْبِ التبجح بالدعاوى وذمّ المنّ والمانّين بعد ذكر صفة المؤمنين حقاً إيماءٌ إلى خطرِ هذا المرضِ ومنافاته للإيمان وإخلاله بصفة المؤمِنِ. والله أعلم.

ومنها : أن على قيادات المجاهدين أن يعملوا على رصّ صفوف المجاهدين والتأليف بين قلوبهم وجمع كلمتهم وتحبيب بعضهم إلى بعضٍ بأنواع الوسائل المشروعة من القول والفعل، وجعلهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسدِ ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسَّهر” رواه البخاري ومسلم. وقد قال الله تعالى : {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنهم بنيانٌ مرصوص}. فالله يحب ذلك ويرضاه ويأمُرُ به، فيجب علينا السعي في تحقيقه، وذلك ببثّ أسباب التحابُبِ بين المؤمنين وقطع أضدادها من أسباب الخلاف والفُرْقة والشقاق والتباغض والتباعُدِ والتدابُر.
وقد دلّت الشريعة المطهرةُ على جملةٍ متكاثرة من تفاصيل أسباب التحابب وحذرتْ من جميع أسبابِ التقاطع والتدابُر والعداوة البغضاء بين المؤمنين، على سبيل التفصيل أو على سبيل العموم والإجمالِ، وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية الكريمة الربانية، والبسط فيها يطول جداً، فلتنظر في مواطنها من كتب أهل العلم ككتب السلوك والأخلاق والفضائل وكتب الحديث وشروحه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظنَّ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا، ولا تجسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخواناً كما أمركم، المسلمُ أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا، وأشار إلى صدره، بحسْبِ امرىءٍ منَ الشرِّ أن يحقر أخاه المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلم حرامٌ؛ دمُهُ وعرضه وماله. رواه مالك والبخاري ومسلم واللفظ له وأبو داود والترمذي، كما في الترغيب والترهيب للمنذري.
والحاصلُ أن هذا من أهمّ ما ينبغي الاعتناءُ به من قيادات المجاهدين.
ولا بأس في هذه المقام أن نذكر بعض صور الأخطاء التي نشاهدها في المجاهدين في هذا الجانب، لكي يتم التنبّه لها بعينها ومعالجتها، ولنكون عمليين ، فإن العلمَ إنما يُرادُ للعمل، فمن ذلك :
* أن بعضَ الأمراء يَرضَوْن بأن يلوك أتباعهم وجنودهم أعراضَ غيرهم من الأمراء والمجاهدين، ولا ينهونهم، بل ربما حرّضوهم وشجعوهم على ذلك، لخصومةٍ أو شحناءَ مع أميرٍ آخرَ أو إرادةِ غلبةٍ عليه وإزراءٍ به، وهذا مرضٌ على الإنسان علاجُهُ في نفسه ويجب على الأمراء الكبار مراقبة مَن دونهم ممن هم تحت ولايتهم في هذا ومعالجتهم وإرشادهم وتأديبهم. والواجب على الأمير إذا سمع من أتباعه كلاماً في غيرهم من المجاهدين أو أمراء الجهادِ أن ينهاهم وينهرَهم عن الغيبة والنميمة والاستطالة في عرض المسلم وسائر آفاتِ اللسان وفضوله، وكيف يفعل ذلك من دون أن يكون هو متفقهاً في دينه عارفا بالله تقيّاً مراقباً لله تعالى مخلصاً له؟!
* يكثُرُ في مجموعات المجاهدين وفئاتهم أن كل طائفة تمدح نفسها وأمراءَها وأعمالها وتتفاخَرُ بها، وتزدري مَن سواها وتطعن فيهم بالقول : إنهم لا يشتغلون وإنهم لم يعملوا شيئاً، ونحن فعلنا وفعلنا من البطولات والعمليات!! وهذا يتضمّن التلبّس بعددٍ من الأمراض القلبية، نسأل الله العافية والسلامة، والواجب على أمراءِ الجهادِ إصلاحُ كل ذلك ببث خلق التواضع والإخلاص والخوف من سوء الخاتمة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* سوء الظن، وما أدراكم ما سوء الظن، فإنه كثيرٌ جداً بين المجاهدين، ويؤدي إلى طعن بعضهم في بعضٍ واتهامِ بعضهم بعضاً، فهذا يرمي هذا بأنه يريد كذا وكذا، وهذا يفسّر فعلا أو قولاً لأخيه على وجهٍ دنيويّ مدارُهُ على الصراع على القيادة والغلبة والظهور والجاه والسلطان، وهذا يتهم هذا بأنه عميلٌ لاستخبارات العدوّ، وأمثلة كثيرة لا تكاد تحصى، وهذا خطرٌ عظيم، والواجب على أمراء الجهادِ أن يكونوا قدوةً للناس في حسن ظن المسلم بأخيه المسلم ويعلّموا هذا الخلقَ الرفيعَ والشعيرة العظيمة لأتباعهم وجنودهم.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الإيمان الكامل وأن يوفقنا للعمل الصالح، وأن يحفظ علينا جهادنا وهجرتنا وأن يكمّلها لنا بفضله ومنّه وكرمه سبحانه، إنه وليّ الفضل والنعمة لا إله غيره ولا رب سواه.
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذو الحجة 1431هــ