CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

علماء اليمن وواجبات المرحلة

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

الحملة الصليبية التي تقودها أمريكا على الإسلام واضحة بينة، معروفة أهدافها، لا تخفى أطرافها، وإنما تحتاج إلى من يربط أحداثها ببعض ليفهم الأمر، يقدر على ذلك كل من تابع الأخبار بتجرد ليعرف الحقيقة.
ومن ميادين الحرب الصليبية على الإسلام الحرب الدائرة في اليمن، فقد ظهرت الأهداف للمطلع، المجاهدون يريدون تحكيم شريعة الله، وإخراج المحتل من بلاد المسلمين، وحكومة اليمن برئيسيها الحالي والسابق تعرض عن شرع الله، وتريد تثبيت الاحتلال للبلد قدر ما تستطيع.
ويزداد وضوح ذلك مع الأيام، فالقانون الوضعي يزداد ثباتا في البلاد، وتشرف عليه الحكومة الفرنسية، والاحتلال الأمريكي ينتهك كل يوم مزيدا من سيادة البلد، فالطائرات بدون طيار بازدياد، تصور بيوت المسلمين، وتكشف حرماتهم، وقتلاها بازدياد.
ومع وضوح هذا الأمر لكنه قد يخفى على من وضع يديه على عينيه، وتعمد التعامي عن أوضاع المسلمين، إما لجهله بمعاني أخوة الدين، وإما لأنه يريد ألا يعلم الوضع لكي يسلم من تأنيب ضميره بسبب تقصيره في القيام بتبعات علمه.
وكان يكفينا أن نقوم بتبليغ القدر الذي نستطيعه من الحجة، ثم بعد ذلك نشرع في قتال الحكومة العميلة، إذ أمر تحكيم الشريعة والبراءة من الكفار من الأمور الظاهرة من الدين، وكان كافيا أن تقاتلنا الحكومة عالمة بأننا نريد تحكيم الشريعة ليدل ذلك على إعراضها عن شريعة الله، ويكفي أن يعلم العسكر أننا نريد شرع الله، وأن أمريكا تقاتلنا لذلك، وأنهم يقاتلون في صف أمريكا، ليكون ذلك سببا في مشروعية قتالهم.
وتنزلا مع الخصم فقد افترضنا أن الحجة تحتاج إلى مزيد من البلاغ، ولذلك زاد المجاهدون من تبليغ الحجة، فتم توزيع النشرات والمطويات ، حتى على المواقع العسكرية، وتم الإفراج عن الأسرى من جنود الحكومة عدة مرات بعد استتابتهم، مع أنهم أسروا والطائرات الأمريكية تقاتل معهم.
والأمر واضح لا يحتاج إلى توضيح، وإلا فلو أن الطائرات الأمريكية نابت عنها طائرات يهودية، فهل سيشك مسلم في جواز قتال من ساندها؟! فما الذي فرق بين المتشابهات؟ وأمريكا أم إسرائيل الحنون!
وكنا نسمع أصواتا تخالفنا من العلماء، فأحد قال عنا: خوارج، وأحد قال: متوسعون في الدماء، وأحد قال: لا يفرقون بين البر والفاجر، وأحد قال: مستعجلون، وأحسنهم حالا من خذلنا وتفرج علينا وأمريكا تقتلنا، وحسابنا وحسابهم على الله.
ثم جاءت مجموعة من علماء اليمن ، وعرضوا الصلح بيننا وبين الحكومة، حيث تكف عنا ونكف عنها، وننال حرية التحرك، ويفك أسرانا وندخل فيما دخل فيه الناس، ولم يعرضوا العرض إلا بعد موافقة رئيس الأمن السياسي.
أجابهم المجاهدون بجواب يوجز لهم رسالتنا، وإن كانوا أعلم الناس بها، حيث قالوا: لو أردنا تأمين أنفسنا وتحقيق مصالحنا الخاصة لعرفنا الطريق إلى هذا الهدف منذ زمن، وإنما نحن من الأمة، مصلحتنا مصلحتها، فإن تحققت مصلحتها أو قفنا القتال، وإلا فنحن باقون على ما نحن عليه حتى يحكم الله بيننا وبين أمريكا.
قال لهم قائلهم عند ذلك: هاتوا شروطكم ونحن نوصلها إلى الحكومة. وقال بعضهم: اشترطوا شروطا معقولة، أو قولوا بأنكم لا تريدون الهدنة.
رد المجاهدون بأنه قد عرض عليهم الهدنة قبل أربع سنين، فأبوا إلا أن يُتنازل لهم عن باب المندب، وعللوا بأنهم لا يريدون أن يوافقوا على الهدنة إلا مقابل مكاسب شرعية لا تضر دعوتهم، وإلا فقد قتلت رسالتهم في مهدها، مع أنهم وقتها لم يكونوا يجدون مكانا يأوون إليه غير بيت واحد، فكيف الآن وقد أمد الله بالرجال والسلاح وأرهق العدو إرهاقا شديدا.
بعد المشورة تم الاتفاق على الشروط التالية:
1- تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع نواحي الحياة، وأن تكون مرجعيتنا الكتاب والسنة، وأن يعمل بها في الحياة.
2- تعديل جميع المواد التي تخالف الشريعة في الدستور.
3- الحفاظ على سيادة البلد بطرد جميع مظاهر الاحتلال الأمريكي؛ برا وبحرا وجوا، ومنع السفير الأمريكي من التدخل بشؤون البلد.
4- إزالة جميع المنكرات الظاهرة؛ كالبنوك الربوية، وكذلك جميع مظاهر الفساد العقدي و الأخلاقي في الإعلام والسياحة.
5- مراقبة المنظمات الكافرة العاملة في البلد، وطرد من يثبت قيامها بالتجسس أو التنصير أو الفساد الأخلاقي.
6- استقلالية القضاء والإفتاء، وأن يكون الإشراف بيد نخبة من العلماء الشرعيين.
7- فتح المجال للدعوة والدعاة ليبلغوا دعوتهم، وعدم التضييق عليهم بأي أنواع التضييق، وفتح المعاهد والمراكز الشرعية.
8- رفع المظالم عن الشعب من ضرائب ومكوس وغيرها.
9- إلغاء الصفقات المجحفة في ثروات البلد، وأن تكون الثروات بيد المشهود لهم بالأمانة من أبناء الشعب.
10- إخراج جميع المساجين الذين ليس عليهم قضايا، أو عليهم قضايا مرتبطة بالجهاد في اليمن أو في الخارج.
11- بعد الاتفاق على الهدنة تؤقت لمدة ستة أشهر إلى ثمانية أشهر، لينظر كل طرف في إيفاء الآخر بشروط الهدنة.
12- تكون هناك ضمانات من مشايخ ووجهاء يتفق عليهم الطرفان.
ذهبت الشروط ، ثم عادت لجنة الوساطة ومعهم علماء آخرون، أبدوا إعجابهم بالشروط، وأنها شروط الجميع، ولا أحد يستطيع الاعتراض عليها، حتى الحكومة لم تستطع الاعتراض عليها، وكانت عصاهم التي يعتمدون عليها، كما ذكر أحدالعلماء.
وذكروا أن غالب القمش لما عرضت عليه الشروط قال: هذا عندكم أيها العلماء. ثم طلبوا هدنة مؤقتة صغرى مدتها ستون يوما، لكي يستطيعوا التواصل معنا بيسر، ولنتفاهم في شأن تلك الشروط، وقد وافقت الحكومة مبدئيا، لكن بقي موافقتنا، ثم توقيع الطرفين بعد ذلك .
تمت الموافقة على الهدنة الصغرى، ووقعها أبو بصير في صبيحة الأربعاء28/1/1434هـ بحضور لجنة الوساطة؛ وهم المشايخ عبد الله البنا وأمين جعفر ومحمد الوادعي وصالح الوادعي، وشهادة من حضر معهم من الشهود؛ وهم المشايخ عبد المجيد الريمي ومحمد الزبيدي ومحمد الحاشدي ومراد القدسي، ثم أدبر الوفد وخلفوا بعدهم تساؤلات عما يمكن أن يحدث، كثر التخمين، وغلب على الظن رفض الحكومة؛ لأنهالا تستطيع رد الأوامر الأمريكية.ودعهم أبو بصير ثم قال لنا: الآن بيدي حربة سأطعن بها في ظهر الحكومة إن شاء الله.
سألناه: كيف؟ قال: إن وافقت على تحكيم الشريعة فهذا منانا، وإن رفضت فهذا إعلان منها للعلماء والناس أنها لا تريد تحكيم شريعة الله. عندها فهمت لماذا كان مستبشرا بمقدم العلماء، وكان يقول: قدومهم كفتح زنجبار.
كنت أتأمل الحال وأقول في نفسي: لن نخرج –بإذن الله- عن مكاسب عظيمة؛ فإن قبلت الحكومة وخضعت لشرع الله فهذا ما قاتلنا من أجله، وقد تيسر بلا قتال، وإن هي رفضت فلن يكون أكثر من استمرار القتال ،وهو ما أخذناه على أنفسنا ووطناها عليه حتى يظهر الله دينه، ولكن الذي كنت أرجو أن يتغير؛ أن يظهر لعامة المسلمين أن الحكومة رفضت شرع الله، وحينها سيعلم عداوتها للإسلام كل من علم الخبر، وسيعاديها كل المسلمين، وسيتحول الجهاد من قتال مجموعات محدودة إلى قتال شعب بكامله، وهو ما يؤذن – بإذن الله – بقرب النصر، فإنّ تظافر الشعوبِ على الطغاة ينهيهم سريعا-بقدرة الله- وهذا ما أسقط طغاة العرب في فترات وجيزة.
طال الانتظار، وتكررت مماطلة الحكومة بدعوى أن عبد أمريكا مشغول بهيكلة الجيش، ولم يكن من الانتظار ضير، فهي قضية مصيرية للأمة، خصوصا وأن الانتظار لا يعني رفع الإصبع عن الزناد، بل كان من الطريف أن سرايا المجاهدين لما سمعت عن احتمال هدنة بادرت إلى ضرب الأهداف المرصودة، كيلا تباغتها الهدنة، وتحتاج إلى رصد جديد بعد الهدنة، وكنت أمازح بعض الإخوة قائلا: إذا وجدتم فتورا في العمل من بعض الإخوة فعلاجه أن نشيع احتمال هدنة كي يبادروا إلى العمل قبل الهدنة.
كان من المضحك أن نسمع في وسائل الإعلام انشغال عبد أمريكا بأمور تافهة؛ ثم نتصل على العلماء فيجيبوا بأن الرئيس مشغول بهيكلة الجيش، ما يعني مماطلة ماكرة، ولذلك تم الاتفاق على أن آخر مهلة لتوقيع الحكومة هي 25/2/1434هـ، فإذا مضى ذلك اليوم ولم توقع الحكومة فلا توقيع بعد ذلك، وبالفعل، فقد مضى ذلك اليوم بلا توقيع، والعجيب أن الرئيس لم يكلف نفسه مقابلة العلماء والاعتذار لهم.
والآن على العلماء تبعة أخرى.
لا يفوتني هنا أن أشيد بالبيان الذي أصدره علماء الوساطة والشهود الذي شهدوا معهم، كما أشيد أكثر بالكلام الذي قاله الشيخ عبد المجيد الريمي في مقابلاته مع الصحفيين، ولكن الواجب أكثر.
لقد بان لهم أن الحكومة لا تريد شرع الله، ولقد أقرت الحكومة ضمنا – والعلماء كذلك – أن الحكومة لا تحكم بشرع الله؛ فقد ذكرنا في شروطنا تحكيم الشريعة، ولو كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أنها تحكم بشرع الله لاعترضوا علينا بأننا نشترط ما هو موجود، وأن شرطنا تحصيل حاصل.
لقد زالت شبهة الجهل عن الحكومة، إن سلمنا بوجودها، فقد قامت الحجة بالشروط المتفق عليها، وقد قام العلماء بإبلاغها بأنفسهم، وظهر الإصرار والإعراض عن تحكيم الشريعة بعدم موافقة الحكومة على الشروط، وبان أنهم طائفة ممتنعة عن الشريعة، قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته – التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها – التي يكفر الجاحد لوجوبها . فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها . وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. الفتاوى 28/503اهـ وهذه الحكومة لم تمتنع عن شعيرة واحدة، وإنما امتنعت عن تحكيم الشريعة بكاملها، ويكفينا مما ذكره شيخ الإسلام أنهالم تقف عند ترك جهاد الكفار، وإنما مكنت لهم في بلاد المسلمين، وقاتلت من قاتلهم، وهذا وحده مبرر لقتالها بلا خلاف بين العلماء كما تقدم، فهل سيعلن علماؤنا قتال الحكومة حتى تكف الطائرات الأمريكية عن انتهاك حرمة البلد؟ إن ظفرنا بهذا فهذا نصر عظيم.
إذا كان العلماء -إلى الآن- يعتبرون الحكومة إسلامية، وقتالنا معها قتال بين طائفتين مؤمنتين، فعليهم أن يسلكوا ما أمر الله به في شأنها: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”.
قال البغوي عند هذه الآية: والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إمامًا فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم. والمظلمة التي نذكرها هي تحكيم غير شريعة الله، وإعانة أمريكا على قتلنا، فإن أزيلت تلك المظالم المكفرة فهذا ما نسعى إليه، وإلا فهذا أعظم البغي، وعندها: “فقاتلوا التي تبغي ” وقتال الحكومة عند ذلك واجب عليكم “حتى تفيء إلى أمر الله” فلا يكفي أن تقف عند دستور أو قانون، أو تقبل بوحدة وطنية، وإنما لابد من الفيئة إلى أمرا لله، هذا إذا سلمنا أنه إمام عدل، وأن خروجنا عليه كان بتأويل، وإنما الواقع أن المجاهدين خرجوا على عميل صرف، فرضه على الأمة السفير الأمريكي، وخروجنا عليه كان لكفر بواح.
إن الواجب على العلماء إن عجزوا عن هذا وهذا؛ أن يعلنوا للأمة أن تنظيم القاعدة أبدى استعداده لوقف القتال بشرط تحكيم شرع الله، وأن الحكومة رفضت ذلك ، وأن قتالها عند ذلك من الواجبات حتى تفيء إلى أمر الله، وهو تحكيم شريعته.
يجب على العلماء أن يصدعوا بهذا لتعلم الأمة أننا لم نقاتل إلا لشرع الله، وليعلم من أراد السعي إلى تحكيم شرع الله أن ليس يسعه إلا مسلك القتال؛ فقد وضح أن الوسائل السلمية لا تأتي بجدوى.
فإن أقروا بعجزهم عن هذا -أيضا- فعليهم أن يصدعوا على المنابر، ويطوفوا على النقاط والمواقع العسكرية وينبهوا جنود الحكومة أن قتالهم لنا لا يجوز، وأنهم – والحالة هذه – يقاتلون في سبيل الطاغوت الذي أعرض عن تحكيم الشريعة، وأصر على العمالة للصيلبيين.
ليصدعوا بهذا وليقوموا بإقامة الحجة، إن كانوا يزعمون تقصيرنا فيها، وليجتهدوا في نشر البيان العام حتى يتمايز الصفان، كما يشترط البعض.
إن أخشى ما أخشاه أن يعتبر البعض أنهم سعوا في أمر لم يتم، وأن الموضوع يقف عند ذلك، فلا واجبات تجب عليهم بعد هذا الموقف من الحكومة، فلا صدع بالحق، ولا إعلان براءة، ولا مجاهرة بالعداوة في وجه من رفض شرع الله وأصر على العمالة لأمريكا، لكن دور العلماء أكبر من الاقتصار على مجرد وساطة ليس لها من الأمر شيء، وإنما العلماء قادة الأمة في مسيرة الإصلاح ولو كلفهم ذلك أنفسهم وأموالهم .
من لم يقل بمشروعية قتال هذه الحكومة بعد كل ما تقدم، فلا أظن أنه سيقول به في يوم من الأيام إلا في حالة واحدة؛ وهي إذا ما استبدل العملاء المحليون بعملاء زرق العيون شقر الشعور، وإذا كان كذلك فالمشكلة عنده في اللون والعرق، وليست في الدين والعبادة، وإن سماها ما سماها فهذه حقيقتها.
إن العلماء قد أفتوا منذ أربع سنين أن أمريكا إذا نزلت فإن دفعها فرض عين، فهل يريدون نزولا فوق هذا لكي يتعين قتال أمريكا؟ أم يرون وجوب قتال أمريكا وحرمة قتال عملائها؟!.

المصدر : ( مركز الفجر للإعلام )

ساهم بنشر الموضوع: