CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

شهر رمضان جامعة المتقين

التفريغ

 

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى الأنبياء والرسل أجمعين.
أما بعد:
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار}، فقد خلق الله تعالى شهر رمضان واختاره من بين الشهور وخصه بركن من أركان الإسلام، وجعله شهر فريضة الصيام، وشهر الطاعات والقربات، والتقوى لله رب العالمين، قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، فشهر رمضان بمنزلة الجامعة التي يدخلها المسلمون في كل عام مرة، يتنافسون فيها أعمال البر والتقوى؛ ليحققوا مراد الله منه {لعلكم تتقون}، وهم في ذلك بين مقل ومستكثر، فشهر رمضان شهر جامع لأعمال البر والتقوى، فهو شهر الصيام، كما قال الله تبارك وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وقال صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”، وشهر رمضان هو شهر القرآن، كما قال الله تبارك وتعالى: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن}، وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان عندما يلقاه جبريل؛ كان يلقاه في كل ليلة؛ فيدارسه القرآن)، وقد سطر لنا التاريخ أروع الأمثلة من حياة السلف الصالح، والعلماء الربانيين، مع القرآن في شهر رمضان، حتى بلغ الحال ببعضهم أنه كان يختم في كل يوم مرتين، وشهر رمضان هو شهر الإخلاص لله تبارك وتعالى، ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: “كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تبارك وتعالى إلا الصوم فإنه لي يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه”، وشهر رمضان هو شهر الدعاء، يقول الله تبارك وتعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}، وقد ذكر الله تبارك وتعالى هذه الآية، في سياق الحديث عن أحكام الصيام، وفي آيات الصيام في سورة البقرة؛ ليرغب العباد وليرشدهم إلى منزلة الدعاء في أثناء الصيام؛ فإن ذلك من مواطن إجابة الدعاء، ففي الحديث الذي صححه الشيخ الألباني _رحمه الله_ يقول صلى الله عليه وسلم: “ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر”.
وشهر رمضان هو شهر القيام، ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”، وشهر رمضان هو شهر ليلة القدر، هذه الليلة العظيمة التي خصها الله عز وجل من بين الليالي، وجعلها في شهر رمضان، وهي ليلة كما وصفها الله عز وجل، {ليلة القدر خير من ألف شهر}، ويقول صلى الله عليه وسلم في فضلها: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”، وشهر رمضان هو شهر تربية النفس على حسن الخلق ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: “الصيام جُنّة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ شاتمه، أو قاتله؛ فليقل إني صائم مرتين”، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه”، وشهر رمضان؛ هو شهر الجهاد والرباط والجود والإنفاق، والذكر والعمرة، وغير ذلك من الطاعات كما دلت على ذلك نصوص الوحي، وأقوال أهل العلم، فالمحروم من حُرِم فيه من البر والخير، وأعمال التقوى، ولم يخرج منه برتبة {لعلكم تتقون}؛ لتصاحبه في سائر حياته فيكون عبدا تقيا، ربانيا في سائر الأزمان، فهذا هو شهر رمضان، هو جامعة للمتقين، أكرمنا الله تبارك وتعالى ببلوغها هذا العام، فلنشكر الله تبارك وتعالى على هذه النعمة، ولنحسن استثماره على الوجه الذي يحبه الله تبارك وتعالى، لنُحصّل مراتب التقوى، الموصلة إلى أبواب الجنان، والتي منها باب الريان، ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة بابا يقال له الريّان يدخل من الصائمون يوم القيامة”، وقد جاء في وصفه أنه لا يدخل منه إلا الصائمون.
وأختم كلمتي هذه بكلمة أخص بها إخواني المهاجرين في سبيل الله، فإني أعلم وأشعر ببعض ما يجدون في مثل هذه الأوقات فأقول وبالله التوفيق:
اعلم أخي المهاجر في سبيل الله، واعلمي أختي المهاجرة في سبيل الله، أن الله تبارك وتعالى قد أكرمكم بنعمة عظيمة، هي من عظيم نعم الله عليكم تجدون أثرها في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، فقد قال الله تبارك وتعالى في فضلها في محكم التنزيل {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون* الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}، فانظر يا رعاك الله إلى هذه الأجور العظيمة، وإلى هذا الفضل العظيم المترتب على عبادة الهجرة، وما ذلك إلا لأن الهجرة عبادة من عبادات الصبر التي رتب الله عليها الأجور العظيمة فقد قال الله تبارك وتعالى: {قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، فكيف إذا علمت أن الله تبارك وتعالى قد جمع لك أيضا عبادة أخرى في مثل هذه الأوقات، من عبادات الصبر، ألا وهي صيام شهر رمضان، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني، يقول صلى الله عليه وسلم: “شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر؛ صوم الدهر”، فإذا مزجت هذه المعاني العظيمة، وهذه الفضائل الكبيرة، بما تجد من مشاعر في هذه الأيام هان عليك الأمر، وانقلبت المحنة إلى منحة، وصبرت واحتسبت وشكرت الله تبارك وتعالى، وسألته الثبات والقَبول، وسألته تبارك وتعالى أن يجعلك من أهل قوله: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قُتِلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين* ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم}.
والحمد لله رب العالمين.