تفريغ: لن نستكين؛ القرآن والسيف معًا

القراءة

 

التحميل

 

التفريغ

 

 … لا تؤدي الغرض بقدر ما يؤدي الاعتقاد، فأنا بودِّي أن يعرف الإخوة أصل مسألة الجهاد في زماننا، هذا أَوْلَى من أن يعرفوا القصص، الذي ذهب للجهاد لأجل قصة سيرجع لأجل قصة أخرى، والذي ذهب لأجل صورة سيرى صورة أخرى ويرجع، وهذا شاهدناه كثيرًا، فالذين وُصف لهم الأفغان أنهم ملائكة وصحابة، لـمَّا رآهم يُدخنون رجع! وقال: قالوا لنا صحابة هناك.

فأنا أقول: إن إحياء العواطف ليست هي الرئيسية في قضية الدعوة إلى الجهاد، إنما الرئيسي في الدعوة إلى الجهاد هي مسألة العقيدة، وأن يعتقد العبد ما هو الجهاد؛ لذلك لا بُدّ أن يَعرف المسلم ما هي فريضة الجهاد؟
وما مكانتها في هذا الدين؟
ولماذا حرص عليها رسول الله ﷺ وأصحابه؟
وما حكم الجهاد في زماننا؟
وسأتكلم عن حكم الجهاد في زماننا.

والجهاد في اللغة هو/ بَذلُ الجُهد وبَذلُ الوُسْعِ والطَّاقَة.
أما في الشرع، فإذا قيل الجهاد فهو/ ينصرف إلى القتال -وهذا محلُّ اتفاق لا في الاصطلاح ولا في العُرْف حتى الفقهاء، حتى في التاريخ إذا أُطلق الجهاد كان كذلك-.
وما رُويَ أن الرسول ﷺ رجع من تبوك، فقال: (جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)
قالوا: وما الجهاد الأكبر؟
قال: (جهاد الهوى)، وفي رواية (جهاد النفس والشيطان)، فهذا ضعيف كما قال ابن حجر، وكما قال الحافظ العراقي قال أنه: ضعيف ولا يُحتج به.

فالجهاد في النصوص الشرعية لم يُطلق إطلاقًا بلا تقييد إلا وينصرف إلى القتال، فهذا هو الجهاد.
أما الجهاد يتعيَّن في ثلاث حالات:
•    يتعيَّن إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين.
•    ويتعيَّن إذا استنفر الإمام.
•    ويتعيَّن إذا حَظَر الرجل الصَّف.

ولكلٍّ دليل، ولم نَحظُر نحن الصف ولا يوجد من يَستنفرنا ولكنَّا سنتكلم عن الأمر الأول
وهو/ إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين، فقال بن تيمية في الاختيارات، قال إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين، قال: ودفعُ الصائل من أشد أنواع الدفع، فيُدفع إجماعًا وبلا شروط، يجب دفعه إجماعًا وبلا شروط.

وقد نقل القرطبي الإجماع على دفع الصائل، قال: إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين وَجَب على من يستطيع دفعه أن ينفر.
هو نَقَل هذا عن ابن عبد البر، وابن عبد البر نقل الإجماع في ذلك، وقال: على كل من يستطيع الغِياث يجب عليه غياثهم، تخرج المرأة بلا إذن زوجها والرجل بلا إذن والديه والمَدِين بلا إذن دائنه.
وهذا الكلام إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين وَجَب النفير بالإجماع ولا خلاف في ذلك، حتى أن الفقهاء قالوا: إذا هَدَّد العدو أرض المسلمين وَجَب النفير قبل أن يدخل أرض المسلمين.
وقالوا: يجب النفير إذا كان على مسافة القصر، إذا كان دون مسافة القصر وَجَب النفير.
والذين قالوا هذا، قالوا أنه: يتعيَّن.
هو الأصل في الجهاد أنه كفاية ولكنه يتعيَّن بهذه الثلاث حالات.

الآن تحمرُّ بعض الأنوف من الذين لا يريدون أن يُقال الجهاد فرض عين، يقولون: كفاية.
نقول: كفاية. ونُبقيه كفاية كما تريدون، ولكنَّا نقول لكم: إن جمهور العلماء الذين قالوا إن الجهاد فرض كفاية، قالوا: ويجب على الرجل مرة في العام -هذا قول الجمهور-
ومنهم من قال: مرتين في العام.
وإن كان الحق أن الجهاد إذا كان فرض كفاية أنه يجب على حسب الحالة، لو كان الجهاد فرض كفاية يجب مرة أو مرتين أو ثلاث في العام على حسب الحالة -وهذا هو الراجح-
ولو قلنا كذلك أنه كفاية، لقلنا أنه تعيَّن؛ لأنه لم يَقُم أحد بالكفاية، فلو أن رجلًا تُوفى في قرية ولم يَقُم بتغسيله إلا طفل لأثَّمْنا جميع أهل القرية؛ لأن الطفل لم يكفِ.
فلماذا نقول بـ: أن أهل القرية أثِموا؟ لأنهم لم يُغسلوا الرجل، لأنهم لم يُغسلوا الرجل أثِموا.

وإذا قلنا أن الجهاد فرض كفاية ولم يَقُم به أحد لم نستطع أن نؤثِّم الذين لم يقوموا بالجهاد!
فلو كان الجهاد فرض كفاية لتعين ولو مرة في السنة، ولو كان الجهاد فرض كفاية لتعين لأنه لم يوجد من يقوم به، وإن كان الجهاد في هذا الزمان فرض عين.

وأعجبتني كلمة قالها الشيخ حسن أيوب لـمَّا سألوه عن الجهاد: أهو فرض كفاية أو فرض عين؟
ضحك، فقال: الجهاد في هذا الزمان، قال: إن الجهاد فريضة عين على كل مسلم، قُلنا كفاية حتى ذُقْنا من الذُل ما فيه الكفاية.
لو ما فيه إلا الذُل الذي أصابنا لكفى أن يتعين الجهاد.
كذلك الشيخ عبد الله عزام، قال: تعيَّن الجهاد منذ سقوط الأندلس.
وهذا هو الفقه، قال: منذ سقوط الأندلس والجهاد تعيَّن علينا.

داهَمَ العدو أرض المسلمين فتعيَّن عليهم الأقرب فالأقرب، وأنا أقول لكم: مسرى رسول الله ﷺ الآن يُنتهك وسيُهدم كما هم يُخططون له، ورغم ذلك نقول: كفاية! أيُّ عقول لنا حتى نقول كفاية ومسرى رسول الله ﷺ بأيدي اليهود!!

الجهاد تعيَّن في هذه الحالة وهو أن العدو داهَمَ أرض المسلمين، وبدأ باغتصاب المسلمين، وقتل المسلمين، حتى أن العلماء قالوا كما قال ابن حجر، قال العلماء ونقل عنهم: إذا أُسر عدد من المسلمين ولم يُمكن استنفاذهم بالمال، لم يمكن استنفاذهم إلا بالجهاد تعيَّن الجهاد حتى يُستنفذوا.
هذا في الأسرى عيَّنوا الجهاد، قالوا: الجهاد فرض عين في الأسرى.
وذهب شيخ الإسلام إلى أبعد من ذلك، قال: لو أُسر أهل الذمة لوجب على الأمير أن يُسيِّر جيشًا حتى يَستنفذهم.
أهل الذمة في دولة الإسلام غَزَت الجيوش فأخذت هؤلاء!

فإنَّا نأتي -كما يقال- النقاش البيزنطي، هل الجهاد فرض عين أم فرض كفاية! هذا كله لا يفيد في حالنا الآن، نحن نقول أن الجهاد سُنَّة ألا تحتاج الأمة إلى الجهاد الآن؟ ما هي حاجة الأمة؟ لماذا تُجيِّش الجيوش وتحرك الطاقات حتى يؤلف العلماء ويؤلف طلبة العلم ويبدؤون بالتأليف ولم يقول أحد: لا أن التأليف فرض كفاية، ولا أن التأليف فرض عين.

يعني لو ما ألَّف الناس في هذا الزمان لاكْتَفيْنا بتأليف السَلَف، ولم يقل أحد فرض كفاية، ولم يقل أحد فرض عين، ولكنَّها لـمَّا كانت سهلة على النفس وبسيطة تحرك الناس لها وتجيَّشوا، وكلٌّ يقول أنه على ثغر.
أنا أريد أن أؤلف هل النزول على الركبة أَوْلَى أم النزول على اليدين! هذه سُنّة ولا نحتقر ذلك، ولكن يوجد مهم وأهم، وأيُّهم أهم، أن نقرر سُنّة أو الأهم أن ندفع عن أعراض المسلمين؟

فقال شيخ الإسلام: من أوجب الواجبات دفع الصائل، ولا يوجد بعد الإيمان أوجب منه.

لذلك لو تمعَّنا في قضية واقعنا الآن لعرفنا حجم الذُّل الذي أصاب الأمة، وحجم الاستضعاف والاستهانة التي أصابت الأمة، الأمة تُقتل بالملايين ورغم ذلك نحن نتناقش هل الجهاد فرض عين أو الجهاد فرض كفاية! ولو تمعَّنا في كتاب الله -سبحانه وتعالى- لعرفنا أن الجهاد فرض عين، والله -سبحانه وتعالى- يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ۝ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

وقال: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ

الله -سبحانه وتعالى- بَيَّن لنا هذا الجهاد، وبَيَّن لنا هذه الفريضة، وقد وصف لنا الرسول ﷺ، وصف لنا مرض هذه الأمة فوصف لنا العلاج، فوصفه وقال: (يوشكُ أن تَداعى عليكم الأمم، كما تَداعى الأكَلَة على قَصْعَتها)
قالوا: أوَ من قلَّة نحن يومئذ يا رسول الله؟   
قال: (بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل).

وصدق رسول الله ﷺ، الإسلام ألف ومئتين مليون نسمة ينتمون إليه، بعدهُ من الديانات تأتي الكاثوليكية ألف مليون نسمة تنتمي إليه، وأنا لا أُسفِّه المذاهب النصرانية تعتبر ديانات أخرى، الكاثوليكية غير البروتستانتية وغير الإرثوذكسية كل هذه لها ديانة أخرى، لكن يجمعهم اسم نصرانية، وفي الحقيقة أنهم كلٌّ على ديانة وكلٌّ له اعتقاد، فأعظم ديانة ينتمي لها قوم الآن هي الإسلام؛ لذلك الرسول ﷺ قال: (أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللهُ من صدورِ عدوكم المهابةَ منكم، وليَقذفنَّ في قلوبِكم الوهن)
قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟
قال: (حب الدنيا وكراهية الموت)
وفي رواية الإمام أحمد (حب الدنيا وكراهية القتال)

فلـمَّا أحببنا الدنيا أذلَّنا الله -سبحانه وتعالى-، وهذا مِصداقُ حديث رسول الله ﷺ كما جاء عند أحمد وأبي داوود عن ابن عباس، قال ﷺ: (إذا تبايَعتم بالعِينَة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر، سلَّط الله عليكم ذُلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)
سمَّى ترك الجهاد خروج عن الدين، وعبَّر عنه (حتى ترجعوا إلى دينكم)

وكذلك قال أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: كنَّا في بيت المقدس، قال: غزَوْنا القسطنطينية واصطفَّ الروم صفًا، واصطفَّ المسلمون صفًا، فخرج رجلٌ من المسلمين فدخل في صف الكافرين، في صف الروم.
فقال الناس: مَهْ مَهْ، إنه يُلقي بيديه إلى التَهلُكة.
-هم يقصدون قول الله -سبحانه وتعالى-: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أن هذا أهلَكَ نفسه لـمَّا دخل على الكفار!-
فقال أبو أيوب الأنصاري -وصعد على صخرة- فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية في غيرِ ما نزلت، ولقد نزلت فينا نحن معشر الأنصار لـمَّا أعزّ الله الدين وفتح على رسوله ﷺ، قلنا -سرًا في أنفسنا-: نرجع إلى أرضنا، إلى أهلنا فنُصلح زرعنا وأولادنا فالرسول ﷺ في غِنى عنَّا.
فأنزل الله على رسوله ردًا علينا وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
فقال أبو أيوب: فتَركُ القتال هو التَّهْلُكة، تَركُ القتال هو التَّهْلُكة.

وكان وافق على هذا التفسير كان من جملة الصحابة الذين وجدوا حَبر القرآن عبد الله بن عباس، وكان يوجد عبد الله بن عمر وقُتل أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- تحت حصن القسطنطينية.

فهذا هو الجهاد الذي قال الله -سبحانه وتعالى-: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
التَّهلُكة أن نترك الجهاد، التَّهلُكة كما قال الله -سبحانه وتعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
لا يُحيي هذه الأمة إلا الجهاد، كما قال ابن عباس: “دعاكم لمِا يُحييكم، قال: يُحييكم الجهاد”
فهذا الذي يُحيينا هو الجهاد.

والله -سبحانه وتعالى- قال: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
قال ابن كثير: يرجعون إلى الجهاد، لـمَّا تركوا الجهاد أذاق الله -عز وجل- بعضهم بأس بعض.

فالجهاد هو حياة هذه الأمة، والتاريخ يبيِّن أنه حياة هذه الأمة، فسأسرد لكم بعض تاريخ الأمة يتبيَّن من خلاله أن الجهاد هو حياة الأمة، والذي يشك في ذلك لا يمكن أن يشك في التاريخ وفي حقائق التاريخ، الرسول ﷺ لم يَمُت حتى وحَّد الجزيرة كلها، ولم يُقتل من أصحابه إلا -تقريبًا- خمسة آلاف (5000) صحابي شهيد -بإذن الله- ومات الرسول ﷺ ثم قام من بعده أصحابه، أصحابه قاموا من بعده بالجهاد، فقاموا حتى زمن عثمان من بحر العرب إلى بلاد الصين، ومن البحر المتوسط إلى بلاد أفغانستان الآن أخذوها كلها ولم يُقتل منهم أكثر من خمسة وثلاثين ألف (35.000) شهيد -إذا استثنينا الذين قُتلوا في طاعون عُمْوَاس مع أبي عُبيدة عشرون ألفًا (20.000) بالشام-

هذا لـمَّا قاموا بالجهاد ملكوا هذه الأرض كلها ولم يتعدَّى -على أكثر الروايات- لم يتعدُّوا ستين ألف (60.000) الذين قُتلوا منهم فوحَّدوا الأرض كلها تحت خلافة أمير واحد في المدينة.

ثم لـمَّا نزلت راية الجهاد وضَنَّ الناس بالدينار والدرهم وتركوا الجهاد بدأ الذُّل في هذه الأمة، حتى جاءت الحملة الصليبية الأولى في أواسط القرن الرابع فأخذوا بلاد الشام ودخلوا بيت المقدس وقَتلوا في ساحة بيت المقدس سبعين ألفًا (70.000)! قارن كم سنة قام الرسول ﷺ بالجهاد إلى زمن عثمان -رضي الله عنه- ولم يُقتل أكثر من ستين ألفًا (60.000)، ثم في بيت المقدس فقط في ثلاثة أيام يُقتل سبعين ألف (70.000) في ساحة المسجد الأقصى!!

حتى أن المؤرخين النصارى يقولون: وقد فَعلت جيوش الْيَسوع في المسلمين ما لم يُفعل في التاريخ قط في بيت المقدس.

-وكما يقولون هم-: الذين نَجوا في بيت المقدس من المسلمين، لم ينجوا لأنهم استطاعوا أن يفرُّوا من جيوشنا! بل إنهم لم يُقتلوا لأن جيوشنا تعبت من القتل! فأبقيناهم لأن جيوشنا تعبت من القتل!!

وحتى المؤرخين الإسلاميين يَروون أن بيت المقدس في ذاك الوقت أن الدماء جَرَت في شوارعها، فلمَّا سقطت راية الجهاد فُعل بالأمة هذا الفعل، هذا ولم أقل لك كم قُتل في أنطاكيا، ولا كم قُتل في الرَّها، ولا كم قُتل في آسيا الوسطى في الأناضول، ولا كم قُتل في بلاد المسلمين التي اجتاحتها الحملة الصليبية الأولى.

ثم بعد ذلك رُفعت راية الجهاد ورزق الله الأمة، رزقهم الملك عماد الدين زنكي، فقام الملك الصالح عماد الدين زنكي وأعلا راية الجهاد من جديد وقاتل ولم يُقتل معه إلا عشرين ألفًا (20.000) حتى فَتح الرَّها وهي أعظم حصونهم الرَّها وأنطاكيا ونابلس وكل المناطق الساحلية التي توجد بالشام فتحها عماد الدين زنكي، ثم توفاه الله فقام من بعده نور الدين زنكي -ابنه- فأعلا راية الجهاد حتى قلَّ المد الصليبي على بلاد الجزيرة، وكانوا يريدون أن يدخلوا على الحجاز من خلال البحر وكان نور الدين زنكي يُغرقهم في البحر الأحمر، يُغرق أساطيلهم في البحر الأحمر حتى وفقه الله وبَعث أسد الدين شيركو، وبَعث صلاح الدين واستطاعوا أن يحرروا مصر من أيدي العُبيديين الذين يُدعون زورًا بـ(الفاطميين)

ثم توفى الله -سبحانه وتعالى- نور الدين زنكي، ثم قام بالأمر ملك المجاهدين صلاح الدين، فقام صلاح الدين -رضي الله عنه- وأعلا هذه الراية ثم دَكَّ حصونهم في الشام كلها، ثم بعد ذلك استطاع في معركة حطين أن يهزمهم وقد خرجوا بالتابوت والصليب، كان النصارى عندهم صليب لا يُخرجوه إلا في المعارك الحاسمة وإذا خرجوا مَعناه أنهم خرجوا بكامل قواهم، فخرجوا بالصليب، فاستطاع صلاح الدين في حطين أن يهزمهم شرَّ هزيمة وأن يقتلهم ويأسر ملوكهم ويكسر صليبهم، ولم يفتح بيت المقدس صلاح الدين -رضي الله عنه- إنما آثر أن يفتح ما وراء بيت المقدس، ويترك بيت المقدس حتى يُطبِق عليهم فتركهم ثم حاصرَ بيت المقدس، جيوش المسلمين حاصرتها محاصرة السِوار بالِمعصم، ثم سقطت بيت المقدس بعد قرن، ثلاث وتسعين سنة تقريبًا من الاحتلال الصليبي لبلاد الشام، لـمَّا أُعليت راية الجهاد رجعت هذه المدن التي أخذها الصليبيون، ولم تسقط بيت المقدس إلا في عام (1936) ميلادي سقطت في أيدي الصليبيين، ثم في عام (1948) أعلنوا احتلال فلسطين، من عهد صلاح الدين لم تسقط إلا الاحتلال الأخير، وقام صلاح الدين ولم يُقتل معه أكثر من خمسة عشر ألف (15.000) في معاركه الأخيرة وأحيا هذه الأمة.
وقَتل من الصليبيين أكثر من مئتين وسبعين ألف (270.000) من الجيوش، رغم أن عفى عن مئة وعشرين ألف (120.000) كانوا في بيت المقدس قد حاصرهم وفتحها وأطلقهم وأركبهم في أساطيل بحريه ووصلوا إلى أوروبا، عفى عنهم ثم قامت راية الجهاد، كانت راية الجهاد مُعلاة حتى بدؤوا يتركونها، حتى جاء المستعصم فتولى هذا الرافضي بن العلقمي الخبيث، فولاَّه فقلَّل جيش المسلمين في بغداد، من مئة وعشرين ألف (120.000) إلى عشرة آلاف (10.000)!!

       وسحب جيوش المسلمين ابن العلقمي؛ لأنه كان بمثابة ما يسمى الآن برئيس الوزراء، سحب جيوش المسلمين من جميع الثغور -وهو رافضي- ثم أرسل إلى المغول، وحبّبهم إلى بلاد المسلمين، وقد قعد المسلمون قبل ذلك عن الجهاد، فسلط الله -سبحانه وتعالى- عليهم التَتَر لـمَّا تركوا الجهاد أذلَّهم الله، فاجتاحت جيوش التتر أرض المسلمين، وفي مسيرة واحدة تحرَّكوا من بلاد الصين ولم يقفوا إلا في بغداد، وعندما دخلوا بغداد، هذا في بغداد فقط يقول ابن الأثير وابن كثير، يقولون: قَتلوا في بغداد في أربعين يومًا ما يقرب من ألف ألف مسلم!

لماذا قُتل ألف ألف مسلم؟ لأنهم تركوا الجهاد وجعلوا رئيسهم ابن العلقمي، ورغم ذلك بلاد العراق لم تزخر بمؤلفات ولا بشروح ولا بعلماء كما زخرت في ذلك الوقت، هل نفعهم علماؤهم؟ هل نفعت الفتاوى؟ هل نفعتهم تفاسيرهم؟ بما أن البيان لم يُقوَّم بقوة السلاح والسيف والله لن يُخيف، لن يُخيفهم القرآن ولن تُخيفهم الكلمات! ما يُخيفهم إلا السيف مع القرآن، فقَتلوا في بغداد ألف ألف، مليون! تخيَّل مليون!! هل قُتلوا هؤلاء من قيام الرسول ﷺ! لو حسبنا الذين قُتلوا من قيام الرسول ﷺ إلى زمن ستمئة وستة وخمسين عند اجتياح التتر لأرض المسلمين، لـمَا وجدناهم ربع هذا العدد!

ولكن الله -سبحانه وتعالى- قال: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

الجهاد هو الذي يحيي الأمة، وهذا دليل أيها الناس، دليلٌ على أن الجهاد يحيي الأمة، ما قُتل من الأمة ولا ربع مليون خلال ست قرون، يُقتل منها في أربعين يوم مليون!! وعاقب الله -سبحانه وتعالى- العلماء الذين تركوا الجهاد، عاقبهم شرّ عقوبة، فقال التتر: نَقتل هؤلاء بأن يُبطحوا على بطونهم، فتَسير عليهم جيوش التتر حتى يموتوا.
فسارت عليهم جيوش التتر حتى ماتوا!
ثم قال التتر: نَقتل المستعصم، وكيف نقتل المستعصم!
لكن الله هيَّأ له شرّ قتلة لأنه ترك الجهاد.
فقال التتر -في اعتقاد التتر أن الملك إذا سُفك دَمه على الأرض خرج من صُلبِه من ينتقم له-
فقالوا: لا نستطيع أن نسفك دَمه، لِـما لا نضعه في كيس ونربط عليه ونركله بالأقدام حتى يموت.
فمات ركلًا بالأقدام!
ولو أنه رُبط في كيس وتُرك لكفى بها شرّ قتلة، ولكن الله أذلَّه ذُلاً على ذُل، ومن تولَّى العلقمي فهذا جزاؤه، فمات ركلاً بالأقدام، وهي شرّ قتلة يُقتل بها ملكًا في التاريخ.

ثم بعد ذلك التتر عَزموا على اجتياح الشام، فهرب أهل الشام فدخلوا الشام بدون قتال! ثم لـمَّا عزموا على اجتياح مصر ذهب العلماء إلى مصر، وكان منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه ثُلَّة من العلماء، فخرجوا إلى مصر، فكان العز بن عبد السلام في مصر، الملك المظفر الصالح قطز اجتمع بالمسلمين وبالعلماء، فقال: ما رأيكم؟

فلمَّا أرسل له هولاكو رسالة قوية ترتعد منها الفرائص، قال: نحن خُلقنا من غَضِب الله، وسُلِّطنا على من غَضِب الله عليه، ولا يُدان لأحدٍ، فإمّا أن تُسلموا، وإمَّا أن نسفك دماءكم ونستبيح أبناءكم ونساءكم.
فجمع العلماء، فقال لهم: هذه رسالته.
فبعض العلماء وَهَنوا، فقالوا: احقن الدماء وسلِّم.
فقال العز بن عبد السلام: نموتُ على ما مات عليه أسلافنا.
فقال: والرأي؟
فقال العلماء: الرأي أن نخرج لهم ونُقاتلهم.
فقال: نختار أرض عين جالوت.

فخرجوا إلى أرض عين جالوت، وكان الملك المُظفَّر قطز، كان معه قِلَّة لا يعادلون عُشْر جيش التتر، ثم جاؤوا إلى المعركة فإذا بالتتر كان عندهم أسلوب في الحرب لا تعرفه العرب، أسلوب تحرك الجماعات بالشكل السريع، يُسمَّ التحرك الصاعق، كانوا يتحركون مجموعات صغيرة كانوا يتحركون بسرعة ويقابلوا الجيوش ثم يلتفُّوا عليها بمجموعات أخرى، فلما جاء قطز ما يعرف هذا الأسلوب، فوجد أنهم اختاروا التِّباب بعين جالوت، فنزل قطز فمرَّغ وجهه في الأرض، فقال: اللهم انصر عبدك قطز، اللهم انصر عبدك قطز.

وكان يصرخ من على جواده ويقول: وا إســلامــاه، وا إســلامــاه، اللهم انصر عبدك قطز.
فقاَتلوهم حتى حَمَل التتر عليهم فكادوا أن يُزعزَعوا عن أماكنهم، فشدُّوا عليهم شدة واحدة حتى تزعزع التتر وبدؤوا يدخلون مزارع القصب، فأمر الملك قطز، فقال: أحرِقوا عليهم مزارع القصب.
فحرَقوا عليهم المزارع، وهربوا حتى قُتل قائد التتر، ثم بعد ذلك بدؤوا يهربون، فأعْمَلوا فيهم قتلًا حتى امتلت سيوف المسلمين منهم.

ما الفرق بين جيش التتر لـمَّا اجتاح العراق، وجيش التتر لـمَّا اجتاح مصر؟
الفرق أنهم تَقوَّوا جيش التتر وارتفعت معنوياتهم وكَثُر عددهم وجاءهم المدد، واختاروا أرضًا أفضل من أرض العراق للقتال فيها.

وما الفرق عندما دافع المسلمون في مصر؟

دافعوا بملكٍ صالح، بقيادة العلماء، بكلمة (وا إسلاماه) ثم انتصروا بإذن الله -سبحانه وتعالى- وهم لا يُعادلون عُشْر جيش التتر، فأُعلِيَت راية الجهاد، فحفظ الله دماء الأمة، حفظ الدماء وحَقنَها وتحقق قول الله -سبحانه وتعالى- اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

ثم بعد ذلك نُكِست راية الجهاد، فجاءت الحملة الصليبية بعد وفاة صلاح الدين وبعد وفاة قطز، لـمَّا تولَّى الذي يُسمى الملك الصالح -وهو الملك الفاسد- إسماعيل، لـمَّا تولَّى أرض مصر، فسلَّم بيت المقدس إلى الصليبيين، دخل ملك فرنسا، فتحالَف مع ملك فرنسا فسلَّمه بيت المقدس ودخلوا الجيوش الصليبية، دخلت إلى مصر فبدؤوا يَعمَلون بالمسلمين قتلًا وإخراجًا من الدين، فنُكِست راية الجهاد.

ثم بدأ الجهاد في المغرب العربي بقيادة إمام المالكيّة وعالم العلماء، أسد بن الفرات، وهو أحد أعلام الأئمة وصاحب المتون، وقَادَهُم حتى فَتح صِقلِّية فلمَّا توجَّهت الأمة إلى الجهاد حقَن الله دماءهم، فلمَّا تركوا الجهاد في الأندلس وتحالفوا مع الصليبيين أذلَّهم الله -سبحانه وتعالى- وأُعمِلَ فيهم السيف، حَكَموا سبعة قرون بالسيف والكتاب، فلمَّا أنزلوا السيف وأبْطَلوا الكِتاب سلَّط الله عليهم الأسبان فقتلوهم شرّ قتلة، فقَتلوا فقط في يوم واحد أغرقوا في نهر غرناطة سبعين ألفًا (70.000)، وشرَّدوا أكثر من مليونين، وقَتلوا ربع مليون مسلم؛ لماذا؟ لأنهم تركوا الجهاد.

وكما قال الرسول ﷺ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمَّهم الله بالعذاب)

هذه الآيات تبيِّن لنا أن تَركُ الجهاد ذُل، وهذا التاريخ يبيِّن لنا أن تَركُ الجهاد ذُل، والتاريخ يبيِّن لنا أن الانتصار ليس بالعدد ولا بالعدة، فهذا هو طارق بن زياد لـمَّا دخل الأندلس، دخل الأندلس بكم؟ بألف وسبعمئة (1700) -كما يقول القرطبي-
فلما قاتلوا، قال عامل لُذْريق الذي يريد أن يقاتلهم، قال: الْحق بنا بنفسك، يقول لُذْريق: فإني أقابل قومًا لا أدري أهُمْ جاؤوا من السماء أو من أين أتوا!
فقال القرطبي: فجاؤوا على سبعين ألف (70.000) فارس، يقابل ألف وسبعمئة (1700)!
فما أن قام القتال، حتى قال طارق: إن هؤلاء لا قِبَل لنا بهم.
وقضية أنه حَرَق السفن وقال: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم. هذا ضعيف ولا يَثبت.
ولكنه قال: إني مُتشهِّد وحاملٌ عليهم، فاحمِلوا معي. فكبَّر وتشهَّد وحَمَل عليهم حتى هُزِموا، وما هي إلا ساعة حتى أسر لُذريق، فكم يأتي سبعين ألف (70.000) مقابل ألف وسبع مئة (1700)؟ هذا شيء عجيب!!
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ

وقلتُ للإخوة أمس: معركة ألب أرسلان كان ملك العراق في بداية الحملة الصليبية الأولى فجاء العراق بسبعمئة ألف (700.000)، جاء الصليبيون بسبعمئة ألف (700.000)! أكبر حملة صليبية جاؤوا بها، فلمَّا تقابلوا، قال ألب أرسلان: من يُقابل معي.
فقال العلماء الذين أصابهم الوهن بالعراق: لا قِبَل لنا بهم، نسلِّم وندفع لهم الجزية.
فقال: إني خارجٌ ولابسٌ أكفاني ومُتحنِّط، فمن خرج معي فليخرج.

فقالوا: لا نضنُّ بأنفسنا عن نفسك. فخرجوا معه، فخرج معه عشرون ألفًا (20.000)، فمشى فاستعرضهم فإذا بهم خمسة عشر (15.000)، ثم مشى فاستعرضهم مرة أخرى فإذا بهم اثنى عشر ألفًا (12.000)! لكن الرسول ﷺ قال: (لا يغلب اثنى عشر ألفًا من قِلَّة) فقابَل بهم.

فقال الراوي: فاصطففنا صفًا، واصطفُّوا مئة وعشرين صفًا لا يُرى آخرها، فقال ألب أرسلان: لا تضربوا أحدًا حتى أضرب. عددهم اثنى عشر ألفًا (12.000) وأُوْلَـئِكَ سبعمئة ألف (700.000)! أعداد لا تُقارن، أقلّ الروايات التي قالت: أنهم أربعمئة وخمسين ألف (450.000). ولكن الشيخ سَفَر الحوالي حقّق هذا فقال: سبعمئة ألف (700.000) أصحُّ الروايات.

فخرجوا سبعمئة ألف (700.000)، فقال: احمِلوا معي ولا تضربوا حتى أضرب. فحَمَلوا فاخترقوا الصفوف، وكان ملكهم لا يظنُّ أن أحدًا يَصِل إليه؛ لأنه خلف صفوف -سبعمئة ألف (700.000) -.
فحمَلوا حتى اخترقوا الصفوف، وقاتلوا حول خَيمَته فقتلوا كبير الحرس، فرفعوه وقالوا: قُتل الملك فانهزموا وبدؤوا يهربون، وولَّوا الأدبار، فأعمَلُوا فيهم السيف حتى تعِبُوا، فأسروا فيهم قومًا كثير منهم، حتى أسروا الملك، فلمَّا انتهت المعركة جاؤوا بملكهم فقالوا لألب أرسلان: هذا ملكهم.
فقالوا: أتظنُّ أني قاتلك؟ أنت أحقر من أن أقتلك، ولكن اذهبوا به إلى السوق فبيعوه.
فذهبوا ليبيعوه فلَم يجِدوا أحدًا يُثامنُ عليه إلا رجلًا معه جَرْو -أجلَّكم الله- فقال: تُثامِنون به بهذا الجَرْو؟
فقالوا: نرجع إلى صاحبه. صاحبه هو الملك ألب أرسلان
فقالوا: لألب أرسلان لم نجد أحدًا يُثامن به إلا بهذا الكلب.
فقال: ثَمنٌ أحسن منه! اربطوا ثمنهُ في عنقهِ ودوروا به بغداد وأرسلوه إلى بلده.

فانظر إلى هذه العزة أيُمكن أن يَتصور أحد اثنى عشر ألف (12.000) يغلبون سبعمئة ألف (700.000)! أيُمكن أن يُتصور ذلك؟ لا يمكن أبدًا.

جاء العراق بمئة وعشرين ألف (120.000)، فاهتزت القلوب ولم نتصور أن يُمكن أن يقابل جيش العراق بمئة وعشرين ألف (120.000)، فما كان إلا أن يُدعى عشرة أضعافهم؛ لأن النصر أصبح بأعيننا نصرُ عَدد وعُدَّة.
فلا بُدّ، ما دام مئة وعشرين ألف مُهاجم يبغى له مليون مدافع! لا يوجد إيمان، ولا يوجد يقين بالله -سبحانه وتعالى-
ولو أن يقيننا كيقين ألب أرسلان ومن معه لاستطعنا أن ننتصر عليه بعشرة آلاف (10.000).

وهؤلاء هم الإخوة في الشيشان لا يتجاوز عددهم اثنى عشر ألف (12.000)، والروس ثلاثمئة وثلاثين ألف (330.000)، ولكن هل انتصر الروس؟ لم ينتصروا أبدًا من دخولهم داغستان إلى الآن، لم يُقتل منهم ألف (1000)، والروس أكثر من ثمانية آلاف (8000) قتيل وأكثر من عشرين ألف (20.000) جريح.

ما هذه الموازين التي نتعامل بها؟ نحن نتعامل بموازين الله، موازين ثلاثمة (300) وبضعة عشر رجلًا يَغلبوا ألفًا (1000) في بدر، هذه هي موازيننا، موازيننا ليست بعَدد ولا عُدَّة.

الكتيبة في البوسنة عددها ألف وستمئة (1600) -على أحسن أحوالها- عندما وصلت الذروة، هَزَموا جيوش الصِّرب، أقوى جيش في أوروبا، أقوى جيش مُوسَاد في أوروبا هزموه، بل إن جبال موسكو التي شمال بانيالوكَّا لم يستطع هتلر بجيوشه النازية أن يدخلها، وبَقيَ يحاول الدخول خمسة أشهر أو قيل ثلاثة أشهر يحاول أن يدخل ويصعد على جبال موسكو فلم يستطع، بينما الإخوة ترصَّدوا لهذه ستة أشهر -تقريبًا- ثم أعدُّوا لها عملية، وقالوا للجيش البوسني أراد أن يدخل معهم، فقال أبو المعالي: لا تدخلوا معنا، كونوا خط إسناد في الخلف فقط، إذا قلنا لكم اقصفوا، اقصفوا، ونحن الذين ندخل.

ثم ترصَّدوا وأرادوا أن يدخلوا، فكُشف أحد الشباب قبل الدخول بساعة -تقريبًا- فقيل لأبي المعالي: أنهم اكتشفونا وبدؤوا إطلاق النار.

قال: قدِّموا الهجوم، واهجموا.
فهجموا، فيحدثني أحد الإخوة يقول: ما هي إلا ربع ساعة وأنا فوق الجبل، ونزَل الصِّرب من الجهة الأخرى على بانيالوكَّا، فإذا بمجموعة أبي الزبير في بانيالوكَّا ويحاصرونهم بين فكَّيْ كمَّاشة، ويُعملون القتل فيهم، وتهتز لذلك أوروبا ويأتي كلينتون بعد هذه المعركة يأتي بنفسه لعَلي عزَّت، ويقول له: نعطيكم ما تريدون، ولكن عندنا شروط، الشرط الأول، أن تُخرجوا العرب أو تُسلِّموهم.

قال علي عزَّت: لا يمكن تسليمهم.
قال: تُخرجوهم أو تُحيدوهم.
ما الذي أتى بهذا الخبيث اليهودي! ما الذي أتى به بعد أربع سنوات أو خمس سنوات من تقتيل إخواننا، ستمئة ألف (600.000) مسلم يُقتل ولم يأتِ يقول لعلي عزَّت نعطيكم ما تريدون!

ولكن جند الله حينما تحرَّكوا وأذاقوهم بأسًا اهتزت جيوش أوروبا، ووكَّلَت كلينتون وقالت: اذهب إلى البوسنة واتفق مع علي عزَّت أن يوقفوا العرب هؤلاء ونعطيهم ما يريدون، تريدون انتخابات، تريدون حكم ذاتي، تريدون ما تريدون نعطيكم، ولكن شرطنا أن يخرج العرب ويوقَف الجهاد، وترضون بأن يكون تسليح الجيش البوسنوي أسلحة خفيفة ويُمنع عنكم السلاح الثقيل، ووافق -للأسف- علي عزَّت، وعندما قيل لعلي عزَّت: لِـم وافقت؟
قال: أنا في رقبتي أمة، يَسعُكم أن تقاتلوا لأنكم تريدون القتل في سبيل الله، ولكن لا يسعني أن أرى المسلمون يُقتلون. -وهذا اجتهاده وجزاه الله خيرًا-

ولكن ما الذي حرك أوروبا، وما الذي حرك يهود أمريكا ليوقفوهم، ما تحركوا إلا لذلك، ثم لـمَّا تحرك مئة وأربعين من الإخوة تحركوا في كوسوفا، شعَرَت أمريكا وشعَرَ حلف شمال الأطلسي أن قصة البوسنة ستعود من جديد، وعملوا على اعتقالات المسلمين، فاعتقلت الـ”CIA” مئة وسبعة (107) مجاهد في ألبانيا؛ لأنهم كانوا يعزمون الدخول إلى كوسوفا وسلَّموهم إلى دولهم فمنهم من قُتل ومنهم من حُكم عليه بالمؤبد وعلى رأسهم فضيلة الشيخ أبو الفرج المصري.

ثم عَلِم حلف شمال الأطلسي أن الحرب سوف تقوم من جديد ويُديرها المسلمون، فقالوا: نحسم هذه المادة ونقضي على حكومة ميلوشيفيتش بأيدينا فنستفيد فوائد:

•    منها أن نُرجع يوغوسلافيا من حضيرة حلف وارسو إلى حضيرة حلف الناتو.
•    ومنها أن نبيِّن للعالم أن حلف ناتو هو يعتبر ثقل العالم.
•    ومنها وأهمُّها ألا تقوم حرب إسلامية في تلك المنطقة.

فقاموا بأيديهم وضربوا أولئك ولم يقوموا، لاِحظ أن من أيام البوسنة والصرب كانوا ينتهكون أعراض المسلمين في كوسوفا، وقتلوا منهم أعدادًا كبيرة جدًا ونكَّلوا بهم كل التنكيل، من أيام البوسنة! ولم يتحرك اليهود والنصارى حتى تحرك إخواننا المجاهدين، لـمَّا تحركوا وأرادوا أن يرفعوا السلاح ويُعيدوا راية الجهاد في تلك الأرض، خافوا أن تعود راية الجهاد، فقالوا: إن الحكومة اليوغوسلافية انتهكت حقوق الإنسان، ولا بُدّ أن نعاقبها، ونحن خرجنا لندافع عن حقوق الإنسان.
أين أنتم الخمس سنوات عن حقوق الإنسان؟ مئات الآلاف تُقتل وتُشرد! أين أنتم عن حقوق الإنسان؟ لكن علِموا حقوق الإنسان وعَرَفوها لـمَّا رأوا الجيوش تحركت.

كذلك في الشيشان، ستسمعون غدًا قرار مجلس الأمن عندما يقرر الحظر على روسيا كي تحلّ القضية حلًا سلميًا، ولكن متى؟ حينما تكون المبادرة 100% في يد الإخوة المجاهدين هناك، سترون أن مجلس الأمن يتحرك كما تحرك مجلس الأمن وأَعلنَ الحصار على أفغانستان عندما رأوا أن أحمد شاه مسعود سينتهي.

فالجهاد هو نصر الأمة وهو عز الأمة، ولو لم يوجد من الجهاد إلا أن ندافعَ عن أعراضنا لكفى به وجوبًا، لو لم يوجد من الجهاد إلا أن ندُكَّ حصون الكافرين لكفى به وجوبًا، لو لم يوجد من الجهاد إلا أنه هو مُقدَّم الدعوة لكفى به وجوبًا.
الرسول ﷺ -وهذا بأمر الله وليس بأمره- بقى في مكة يدعو ثلاثة عشر سنة، كم جاء معه رسول الله ﷺ؟ بينما لـمَّا أمره الله -سبحانه وتعالى- بالقتال دخلت الأمم في الإسلام أفواجًا.

إذن السلاح هو رائد الدعوة، وهو رائد الهداية، قلوبٌ غُلْف لا يفتحها على النور القرآن وحده! يفتحها على النور القرآن مع السلاح والسيف.

فلما عرفوا قوة الرسول ﷺ في السنة التاسعة، بدأ الرسول ﷺ لا يكاد أن يفضي وقته، انشغل باستقبال الوفود حتى أنه ما استطاع أن يقرأ وِرْدهُ كما عند أبي داوود، وغاب عن وفد الطائف حتى قَضى وِرْده، فلما استبطؤوه قال: (إني أقرأ وِرْدي)، وِرْدهُ لم يستطع أن يقرأه من كثرة الوفود التي تدخل في الإسلام.

إحدى عشر سنة فقط، في السنة التاسعة من الهجرة بدأت الوفود تتوافد على المدينة، فمن كثرة الوفود أثَّرت على الرسول ﷺ، حتى أنه من وصيته في موته قال: (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أُجيزهم)
لأنه يعلم أنها ستتقاطر الوفود وتكثُر بعده.

فهذا هو السيف، وهذا ما صنع السلاح، تسعة عشر غزوة غزاها الرسول ﷺ خرج في ثمانٍ منها فصنع ما صنع، قيل أن السرايا والغزوات في عهد رسول ﷺ ستة وثلاثين غزوة وسريَّة خرج في ثمانٍ منها كما في مسلم عن زيد بن أرقم أنها تسعة عشر وخرج في ثمانٍ منها، وانظر ماذا صنعت، وكيف دانَت له الجزيرة بل وملوك الحبشة وملوك عمان والبحرين دانوا للرسول ﷺ، لأنه رفع السيف بينما كان في مكة طريًدا شريدًا كان يأتي بن أبي مُعَيْط -عليه لعائن الله- ويُلقي سلى الجزور على ظهر رسول الله ﷺ، يخنقه حتى كادت تخرج روحه -بأبي هو وأمي رسول الله ﷺ-.

ولم يعزّ هذا الدين إلا الجهاد والسيف والسلاح، فالتاريخ وسيرة الرسول ﷺ مليئة بأن الجهاد هو الحل، يحاربوننا الآن ويقتلوننا ويَصِمُوننا بالإرهاب، نعم نحن إرهابيون
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
فالإرهابُ من ديننا ومن شريعتنا، فنفتخر أننا إرهابيون، فشهادتهم لنا بالإرهاب هو شهادة رضى الله -سبحانه وتعالى- عنَّا، وكلَّما قالوا أننا مُسالمين فهو غضب الله علينا، فمن وُصِم بأنه مُسالم وأنه لا يدعُ للعنف من علماء المسلمين فاعلموا أن الله -عز وجل- بقدر ما أَثْنوا عليه أنه بقدر ما يَمْقته الله -سبحانه وتعالى-، وكلَّما وَصَموا أحدًا بالإرهاب بقدر ما يَصِمونه ويستنقصون، أن قدره عند الله -سبحانه وتعالى-
إذا كان الرسول ﷺ يقول للمؤمنين: (أنتم شهود الله في الأرض)
فما بالك بالكفار لو شَهدوا على رجل من المسلمين!

نحن نطلب من أوروبا أن تتناسى خلافاتُها وأن ترفع عينَيها من على أقدامها لتنظر أمامها فتُبصر ماردًا أخضر، هو الخطر على أوروبا وعلى الحضارة، وهو الأصولية الإسلامية، وأُعطيَ من ذاك الوقت أُعطيَ الضوء الأخضر للجيوش الصِربية أن تقتحم البوسنة وتقتل في المسلمين حتى تُصفِّيهم، ثم بعد ذلك أتت هذه المؤامرات، مؤامرة بعد مؤامرة، وشاهدنا أخيرًا مؤامرة مجلس الاتحاد الأوروبي الذي عُقد قبل شهر وكان ]انقطع الصوت[ في المجلس، فطَرحت روسيا ]انقطع الصوت[ الشيشان.

ومن ضمن القضايا التي دُرست تقرير ما يقارب أربعين صفحة أعدَّه جنرال فرنسي خاص بشؤون الإرهاب في الشرق الأوسط، وقال -بهذه العبارة-: على دول مجلس الاتحاد الأوروبي، أن تَمنع الأصولية من إقامة دولة إمَّا في شمال القوقاز أو في آسيا الوسطى -يقصدون أوزباكستان-، فإن الإرهاب في آسيا الوسطى وفي شمال القوقاز أَوشَكَ أن يتمكَّن من دولة، وإن تمكَّن من دولة فإن العالم سيعيش في قَلاقِل، وإن هؤلاء الأصولية هم الذين يروِّجون تجارة الرقيق الأبيض -أي الجنس والمخدرات-، ويروِّجون الآيدلوجية -أي الأفكار الإرهابية-، فلا بُدّ أن يُقضى عليهم وعاصمتهم أفغانستان فلا تَصدُر كل هذه المجموعات إلا من أفغانستان.

ثم بعدها بأسبوعين فقط اجتمعت دول الكُومَنْوِلْث، الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي وعلى رأسها روسيا، وروسيا البيضاء، وأرمينيا، وجورجيا، وكازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزباكستان، والدول هذه كل التي استقلت من الاتحاد السوفييتي، لـمَّا اجتمعوا قالوا: لا بُدّ أن تتحد دول الكُومَنْوِلْث على أمرٍ واحد، لا ينبغي لهم أن يختلفوا عليه، وهو حرب الأصولية في دول آسيا الوسطى.

ثم اجتمعوا قبل ثلاثة أيام دول الشنغهاي، اجتماع الشنغهاي التي هي خمس دول، الصين وروسيا وتركمانستان وطاجيكستان وقرغيزستان، اجتمعت هذه الدول الخمس وقررت أن أَوْلَى أولويَّاتها أن يُقاتلوا الأصولية وخاصة في أفغانستان.
وأعدُّوا خطة لمساعدة أحمد شاه مسعود للقضاء على حكومة طالبان، واليوم صدر قرار مجلس الأمن بتشديد العقوبات على أفغانستان ومنع الوقود كذلك؛ لأنهم اليوم شنُّوا معارك عنيفة جدًا على أحمد شاه مسعود
فعرفوا أن دولتهم -دولة أحمد شاه مسعود- أنها ستسقط ولن يبقَ لها شيء، فأصدروا اليوم قرار أن يشددوا العقوبات وقرار كوفي عنان قبل ثلاثة أيام أن يشدد العقوبات حتى على الدول التي لم تلتزم بالحظر.

ويقول بوتين أمس في اجتماعه في البرلمان الروسي، طبيعة اجتماع البرلمان اجتماع سنوي، الخطاب السنوي للرئيس الروسي ينبغي أن يتكلم عن الاقتصاد والشؤون الداخلية، ولكنه افتتح مجلسه وتكلم عن شيء واحد أول ما تكلم، قال: إن الأصولية هي أخطر خطر يواجهه العالم المتحضِّر والسلام الآن، وإن الأصوليين يريدون أن يقيموا دولة تمتد من الفلبين إلى كوسوفا، فإن لم تنهض الدول وتساعد روسيا على مقارعة هؤلاء وإلا فإنها ستُشكِّل غدًا أعظم خطر ]انقطع الصوت[.

بينما مسألة الجهاد قُتلت وأُلغيَت من قاموس الأمة الإسلامية، أُلغِيَ الجهاد من قاموس الأمة الإسلامية تمامًا بل إنَّا بدأنا نستنكر من ينادي بالجهاد، بل إن الذين يُعتبرون من قادة الفكر الإسلامي إذا كلَّمتهم عن الجهاد قالوا: الجهاد ليس وقته، نحن في العصر المكي، في حالة الاستضعاف، لا ينبغي.

طيب إذا لم ينبغي الجهاد، ينبغي الإعداد، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والإعداد باتفاق العلماء لم يَقُل أحد أنه فرض كفاية، العلماء كلهم يقولون أنه فرض عين، أُؤمروا الناس بالإعداد. عشرين سنة الآن والجهاد قائم ولم يوجد أحد من العلماء غير الشيخ عبد الله عزام ناصر الجهاد وخرج بنفسه، فلا تغترُّوا بقعود الكبار، ولا تغترُّوا بقعود العلماء رضوا لأنفسهم ذلك، لا ترضوا أنتم لأنفسكم بذلك.

هل دافعوا في مؤلفاتهم وفتاواهم عن المسجد الأقصى؟ هل دافعوا بفتاواهم ومؤلفاتهم عن أعراض إخواننا في الشيشان وفي كوسوفا وفي الفلبين وفي اندونيسيا الآن؟ هل دافعوا عنهم في الصومال؟ لم يدافعوا عنهم ولا حتى بفتاواهم فلا تغترُّوا بقعودهم.

حياةُ هذه الأمة في الشريعة وفي التاريخ أنها في الجهاد، فمن أراد أن يحيي هذه الأمة فليتحرك في الجهاد، وأنا أبارك لأهل هذا البيت الذين قاموا وتبرَّعوا ودفعوا ابنهم ليكون لَبِنة في بناء هذا الصرح الشامخ، فوالله إن الأمة سفينة وقودها دماء الشباب، دماء رجالها وقودها، إن لم يتحركوا فإن هذه السفينة ستغرق في هذه الأمواج المتلاطمة، فإن كنتم تقولون لي أن السفينة في زمنٍ من أزمان التاريخ من قيام رسول الله إلى هذه الزمان، إن قلتم أنها تحركت في غير وقود الدماء، أنا أقول لكم: أثبِتوا ذلك، ما تحركت هذه السفينة ولا عَبَرت ولا واجهت هذه الأمواج المتلاطمة إلا بدماء الشباب وجماجمهم.

كثيرٌ ما قابلتُ بعض من يُنقد عليهم، يقول: يا أخي ضيَّعت مستقبلك، لو كمَّلت الجامعة وذهبت للجهاد أحسن لك.

هذا الفكر السقيم، هذا هو الفكر السقيم، أصبح الذي يدرس الجامعة أصبح على ثغر، الذي يدرس في الجامعة قالوا على ثغر، الذي عنده محل خمسة عشر ألف راس ماله قالوا على ثغر، الذي يدرس قالوا على ثغر، كلٌّ على ثغر!! طيب من الذي ليس على ثغر؟ الذي ليس على ثغر طلّعوه للجهاد، لا أحد..! كل الناس على ثغر!

وأنا أقول كما قال بِشْرُ الحافي، يقول: ضاع العلمُ بين أفخاذ النساء.
أقول: ضاع الجهاد بين أفخاذ النساء! والذين قالوا إنَّا على ثغر، والله إنهم على ثغور النساء وليسو على ثغور الأمة، وإلا لو كانوا على ثغور الأمة لكفُّوا عنَّا، كل سنة يُقتل منا ما يقرب من نصف مليون يُقتل من هذه الأمة ويقولون نحن على ثغر! أين أنتم عشرين يوم يُقتل سبعمئة ألف (700.000) بتركستان الشرقية، وين اللي على ثغر يجون يدفعون عن تركستان الشرقية؟ هل أحد منكم سمع بتركستان الشرقية؟ ما أحد سمع! ولا زالوا يُقتلون، إلى قبل أسبوع إعدام مئة أصولي في تركستان الشرقية، قالوا: لأنهم يتآمرون على قلب الحكم. وتركستان الشرقية ستعاني ما عاناه الإخوة في البوسنة، واجتماع شنغهاي هذا الأخير ما جاء بخير ولن يأتِ بخير، وسيُقتل إخواننا في أوزباكستان وفي تركستان الشرقية.

الآن يُعدُّون العدَّة في المَجَر وفي بلغاريا يُعدُّون العدَّة لقتل بقية الأتراك المسلمين هناك، انظروا ماذا يُصنع بالمسلمين في كل مكان، ولكن انظروا ماذا يُصنع بيهودي واحد، لم يُقتل! ما أقول يُقتل! أستغفر الله، يُقتل يهودي؟ لا يُمكن!! لكنه سُجن، فقامت الأحزاب اليهودية.

رئيس الحزب اليهودي في روسيا اختلس أموالًا عظيمة، فسُجن، فقامت الأحزاب اليهودية في أمريكا وقامت وزيرة الخارجية الأمريكية وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي وقاموا كلهم ويُنادون حكومة روسيا أن تُطلق سراحه، سُجن على اختلاسات ثابتة عليه! لم يُقتل! ولكنهم قاموا ولم يقعدوا إلا أن يخرج هذا اليهودي.

أنا أقول: أُمم تُقتل من المسلمين، من نادى بهم؟ من نادى بأن يُحيَى هؤلاء أو يُدافَع عنهم؟ لا يوجد! لا يوجد الآن للإسلام بواكي، الإسلام أصبح لقيط، بدأ الذي يتبرَّأ من الإسلام هو المشرَّف والمكرَّم.

يُقام هذه الأيام مؤتمر وحدة الأديان، يقوده القرضاوي ويقوده الغزالي، وحدة الأديان يقول: أن لا فرق بين الإسلام والنصرانية واليهودية، وكلنا أصحاب ملة إبراهيمية، كلنا أصحاب دين واحد، ويوجد سلام، والإسلام ليس دين جهاد وليس فيه عنف. هكذا يريدون منا!! وأصحاب الفكر -اللي يسمونه الفكر الإسلامي- الذي كنا نطمع أن يؤازروا الجهاد ويناصروه لا نجد منهم أحد، من نحسن بهم الظن أمثال محمد سرور، يقول: بماذا أتى المجاهدون؟ منذ أن قام الجهاد في أفغانستان، لم نجد منهم إلا تشريدًا في الأمة، ولم نجد منهم أي فوائد، فلو أنهم لم يقوموا بالجهاد لكان ذلك خير! وله بحث في مئة وعشرين صفحة يتكلم فيه عن الجهاد وأن الجهاد لا ينبغي أن يُقام في هذا الزمان، اصبروا حتى تجتمعوا على إمام وحتى يكون عندكم من المقومات ما يُشبه مقومات الجيوش الدولية، حتى يكون عندكم من السياسة والاقتصاد ما يُشبه إلخ…
ويأتي بشروط كأنها شروط حاخاماتُ قُمْ الذين يقولون أنه لا يقوم الجهاد إلا مع الإمام، مع المهدي!
هكذا انتكس ذكر الجهاد الآن في الأمة، الذي يريد أن يُنادي بالجهاد لا يُمكن أن يُسمع له، بل يُسفَّه حُلْمه لو تكلَّم.

وأن أقول لكم: أعرفُ أن هذا الكلام لن يأتِ على خير -بالنسبة لي-؛ لأن الجهاد مرفوض في هذه الأمة، قاموس الجهاد سبعين آية تُرد في القرآن تأمر بالجهاد ونقعُد! وآية واحدة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  نتحرك لها، ونستنكر…
أنا لا أشبِّه الصيام الذي هو ركن بالجهاد، ولكن أقول أن الله -سبحانه وتعالى- أعطى في القرآن لكل فريضة أهمِّيتها، أعطى لكل شيء أهمية، ما كرر الله -سبحانه وتعالى- قصص الأنبياء إلا لأهمية، ما كرر الأوامر في القرآن إلا لأهمية، فكل شيء يُكرر في القرآن له أهمية تفوقُ الذي لم يُكرر، فلماذا الله -سبحانه وتعالى- يُكرر أمر الجهاد ويحثُّ على الجهاد بسبعين آية، أو اثنين وسبعين آية؟ ورغم أن بقية الفرائض تتمسك بها، والسنن نتمسك بها ونستنكر على من خالفها، بل إنها لم ترد في القرآن! نستنكر على من يُسبِل ثوبه أو يحلق لحيته!
أقول: هذا واجب، يجب أن نُنكر على من يَحلق أو يُسبل، ولكن لماذا لا نستنكر على من ترك الجاهد؟

أقول كما قال ابن تيمية: “فالذي يترك الجهاد في زمن وجوبه يُهجر كما يهجر اللوطي”
وهذا في تفسيره لسورة النور أو نحو هذا الكلام قال.

فانظر هذا شيخ الإسلام، دخل على مجلس العلماء يحرضهم على القيام على التتر، فعندما رأى أنهم لن يقوموا بصق في وجوههم جميعًا، لماذا؟ لأنه يعلم أن حياة الأمة في هذا الجهاد، والعلماء الذين يتخاذلون عن حياة الأمة وعن إحياء الأمة يستحقوا أن يُبصَق في وجوههم.

ويُستنكر لو قلنا الجهاد الآن فرض عين، فعندما نقول أن الجهاد فرض عين تحمرُّ أنوف القاعدين ويستشيطوا غضبًا: كيف يُقال الجهاد فرض عين؟ يا أخي من أين أتيت بالشريعة هذي؟ الجهاد فرض كفاية في زمن الرسول وبعد زمن الرسول، كيف تقول عنه فرض عين؟

وسمعنا هذا الإنكار من كِبار المشايخ وكأنهم لم يقرؤوا كتب الفقه، والله ما جبنا جديد، الفقهاء هم الذين قالوا: إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين تعيَّن الجهاد.

نحن ما قلنا شيء، نحن فقط نظرنا إلى أرض المسلمين فوجدناها دُوهِمت من ستمئة سنة، دُوهِمت أرض المسلمين وانتُهكت الأعراض من ستمئة سنة ولم ترجع إلى الآن، هذا الذي زدنا نحن على قول الفقهاء فقط، أحد يناقش في هذا؟ أحد يُخالف أن أرض المسلمين وأخصُّ بيت المقدس أنها مُجتاحه ومُنتهكة؟ ونخشى أن يخرج غدًا من يقول: يا أخي إن اليهود لهم حق في فلسطين، هم قبل المسلمين في فلسطين.

ونخشى غدًا يخرج لنا من يقول: الأندلس يا أخي أرض النصارى قبل أن تكون أرض المسلمين، فما دُوهِمت حقيقةً أراضي المسلمين، بل إن الأراضي التي كانت فتحها المسلمون رجعت إلى أهلها فقط.
لا تستغربوا لو سمعتوا هذا الكلام غدًا من بعض من يريدون أن يُخذِّلوا عن طريق الجهاد.

أقول: إن هذه الأمة لم يخرج منها من يكفي الجهاد حتى لو كان الجهاد فرض كفاية.
فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يحيي قلوبنا وأن يحركها إلى الجهاد، وأن يجعل أهم ما نهتم به بعد الإيمان الجهاد؛ لأن كما قال ابن تيمية: (وأوجبُ الواجبات بعد الإيمان، الدفاع عن أراضي المسلمين ودفع الصائل إذا داهَمَ العدو أرض المسلمين)

فنسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعل الجهاد أَوْلَى أولويَّاتنا، ونسأله أن ينصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، وأن يتقبل شهداءنا وأن يرفعهم في عليين، اللهم إنَّا نسألك أن تجعلهم شفعاء في أهلهم وأن تسكنهم فسيح جناتك وتُعليهم في أعلى عليين يا رب العالمين، وأُصلي وأُسلم على رسول الله ﷺ.
واعذروني على الإطالة ولكن هذا الموضوع يحتاج حقيقة إلى أن يَنْبري له علماء، لا أمثالي أن يتكلموا بمثله، ويحتاج إلى مجلدات، ويحتاج إلى مُصنفات حتى تتكلم بأهميته، لا أن يَنْبري الجهلة أمثالي لمثل هذا الموضوع، فاعذرونا على الإطالة وجزاكم الله خيرًا.