جديد: موقع خاص بالأناشيد .. أكثر من 1000 مادة للاستماع والتحميل

دخول موقع الأناشيد
CLOSE

لمتابعة ورصد الحركات الإسلامية المسلحة

CLOSE

تأملات في سورتي النور والحجرات (15) الدرس الخامس عشر

التفريغ

 

 بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا،
نكمل معا تأملاتنا في سورة الحجرات وقد توقفنا عند قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (ٍسورة الحجرات).
قال سفيان الثوري رحمه الله: “الظن ظنان، أحدهما إثم وهو أن تظن وتتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم، (ولا تتجسسوا) التجسس هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها”. انتهى.
وقال ابن جرير رحمه الله:” يقول تعالى ذكره يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا تقربوا كثيرا من الظن بالمؤمنين وذلك أن تظنوا بهم سوءًا فإن الظان غير محق وقال جلّ ثناؤه (اجتنبوا كثيرًا من الظن) ولم يقل الظن كله إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير فقال (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين) فأذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير وأن يقولوا وإن لم يكونوا في قيلهم فيه على يقين”. انتهى.
إذن في هذه الآية بيبن الله ويحذرنا من كثير من الظن وهو الظن السيء بالمؤمن الظاهر عليه الخير يعني أن الله سبحانه وتعالى ينهانا أن نظن بالمؤمن الذي في ظاهره الخير أن نظن به الشر، كذلك من ظن بمؤمن شرًا، إذا ظن أحدنا بأخيه المؤمن شرًا، فإن سكت فليس عليه شيء إلا إذا تكلم بما يظنه من سوء دون بيّنة حقيقية يقع في الإثم، (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) لماذا؟ لأنهم تكلموا بشيء خطر بباله وظنه ظنا، شك فيه، وهو ليس على الحقيقة وليس عنده بيّنة على ذلك.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر، من الظن فقال عليه الصلاة والسلام (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، وقال عليه الصلاة والسلام (ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) فبدأ عليه الصلاة والسلام بأمر الظن، بأن الظن يقع منه أو يتلوه ما ذكره عليه الصلاة والسلام، وهو التحسس والتجسس والحسد والتدابر والتباغض وعلينا أن نكون عبادا لله سبحانه وتعالى، إخوانًا.
قال أبو سليمان الخطابي: قوله (إياكم والظن)، فإنه أراد النهي عن تحقيق ظن السوء وتصديقه دون ما يهجس بالقلب من خواطر الظنون فإنها لا تملك، قال الله تعالى (إن بعض الظن إثم) فلم يجعل الظن كله إثما.
وقال غيره فنهى عليه الصلاة والسلام أن تحقق على أخيك ظن السوء إن كان الخير غالبا عليه.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا يحل لمسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرًا، يعني إذا سمع المؤمن من أخيه ما يحتمل عليه الخير والشر فليحمله على محمل الخير، لا يحمله على محمل الشر وقد ذكر كذلك عن عمر أنه قال احتمل لأخيك سبعين عذرًا فإن لم تجد فقل لعله ولعله. يعني بعد السبعين عذر تقول إيش؟ لعله ولعله.
تحتمل له الخير.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجى”.
وروى معمر عن إسماعيل بن أمية قال: “ثلاث لا يعجزن بني آدم: الطيرة وسوء الظن والحسد، قال: فينجيك من سوء الظن ألا تتكلم به وينجيك من الحسد ألا تبغي أخاك سوءًا وينجيك من الطيرة ألا تعمل بها”. انتهى
فإذا ظننت بأخيك ظن السوء، يعني لابد وجاءتك هذه الخواطر وهذه الظنون فإن جاءتك فلا تتكلم بها وحاول أن تدفعها بقدر المستطاع من نفسك.
أما التجسس فهو التبحث والاستقصاء والفحص عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال ذلك في الشر.
قال سيد قطب رحمه الله:” والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات والاطلاع على السوءات”. انتهى.
عندما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدأ بالظن فقد يكون الظن هو مبدأ الشر والعياذ بالله، فيظن الانسان الظن السوء بأخيه فيدعوه ذلك لأن يتجسس، فبعد التجسس تحصل الغيبة، يذهب ويتكلم بما ظنه وتوهمه ثم يتجسس فإذا رأى شيئا قام وتكلم واغتاب أخيه. قد يكون الحركة الأولى وقد يكون التجسس هذا ابتداء يعني عمل مجرد عن الظن قد يكون ما هو مأمور بالتجسس وأشر وأخطر التجسس على صاحبه التجسس على المسلمين لصالح الكفار، هذا أعظم شيء وهذا يكون فيه مولاة للكفار فبالتالي يصبح صاحبه من المرتدين والعياذ بالله، أن يتجسس على إخوانه المسلمين لصالح أعدائهم فهذه موالاة لهم للكفار، وبها يخرج عن دين الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (ٍسورة المائدة) وأي موالاة أعظم من أن يدل على عورات المسلمين أو يضع شريحة إلكترونية تأتي الطائرات المسيرة وتضرب عليها أو غير ذلك من طرق التجسس فهذا فيه شر عظيم على صاحبه ولابد إن لم يتب منه أن يقوم المسلمون بالقبض عليه وإقامة الحد فيه ولعله أن يكون عبرة لغيره.
وإذا كان التجسس، يعني أنظر هذا التجسس على المسلمين لصالح الأعداء ليس فيه خلاف على شرع، فإذا كان التجسس على المؤمنين لإنكار منكر أو معرفة حال أشخاص قد يظن أنهم يرتكبون خطأ ما لا ينبغي أن يتجسس عليهم حتى ولو كان لإنكار المنكر وكان يراه الصحابة رضي الله عنهم إتيان ما حرم الله.
ذكر البيهقي رحمه الله عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه حرس مع عمر ليلة بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج من بيت فانطلقوا يأمونه حتى إذا دنوا منه إلى باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقام عمر رضي الله عنه وأخذ بيد عبد الرحمن وقال أتدري بيت من هذا؟ قلت لا، قال هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟
استشاره، قال عبد الرحمن: أرى أن قد أتينا من نهى الله عنه (ولا تجسسوا) فقد تجسسنا، وانصرف عنهم عمر رضي الله عنه وتركهم.
حتى في هذا الموطن عندما تجسس على هؤلاء القوم الذين كانوا يشربون الخمر ولهم لغط، حتى في هذا الموطن لا ينبغي على المؤمن أن يتجسس، لما فيهم من نهي من الله سبحانه وتعالى (ولا تجسسوا) وليعلم كل مؤمن أن جزاء من تجسس وتتبع عورات المؤمنين أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في بيته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع عورته يفضحه ولو في جوف رحله).
نسأل الله العافية من هذا الأمرمن التجسس ومما يفضي إلى التجسس من الظن السوء أو أن يتجسس الإنسان من تلقاء نفسه أو يتجسس الإنسان لصالح الأعداء على المسلمين فنسأل الله العظيم أن يعافينا من ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وإن شاء الله تعالى سنكمل تأملاتنا في بقية الآية في درسنا القادم والحمد لله رب العالمين وصلّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.